منتديات دقه قلب

Love

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى

lorans - 273
 
Admin - 270
 
AsOoLMoOoT - 245
 
Nour - 213
 
Magic - 19
 
مستر تربو - 16
 
egy knight - 14
 
pop - 9
 
DonV2 - 8
 
shata - 5
 

هذا الكن مخصص لأى اعلان من الأداره للأعضاء

    حوار مع صديقي الملحد

    شاطر
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:29 am

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


    كتاب حوار مع صديقي الملحد للكاتب والطبيب والعالم الكبير مصطفى محمود رحمه الله
    وهو من اعظم الكتب التي يمكن ان يقرأها الفرد مننا لما تحتويه من مجموعة من الاسئله والاجابات التي تخطر في بال اي احد منا
    الموضوع انا عارف معلش انه هيبقى طويل شويتين بس بجد يستحق القراءه من اول سطر لاخر سطر
    ولنبدأ مع الكتاب

    - مقدمة -

    لأن الله غيب .. ولأن المستقبل غيب .. ولأن الآخرة غيب .. ولأن من يذهب إلى القبر لا يعود .. راجت بضاعة الإلحاد .. وسادت الأفكار المادية .. وعبد الناس أنفسهم واستسلموا لشهواتهم وانكبوا على الدنيا يتقاتلون على منافعها .. وظن أكثرهم أن ليس وراء الدنيا شيء وليس بعد الحياة شيء .. وتقاتلت الدول الكبرى على ذهب الأرض وخيراتها .. وأصبح للكفر نظريات وللمادية فلسفات وللإنكار محاريب وسدنة وللمنكرين كعبة يتعلقون بأهدابها ويحجون إليها في حلهم وترحالهم .. كعبة مهيبة يسمونها "العلم".

    وحينما ظهر أمر "الجينوم البشري" ذلك الكتيب الصغير من خمسة ملايين صفحة في خلايا كل منا والمدون في حيز خلوي ميكروسكوبي في ثلاثة مليارات من الحروف الكيميائية عن قدر كل منا مواطن قوته ومواطن ضعفه وصحته وأمراضه .. أفاق العالم كله كأنما بصدمة كهربائية .. كيف؟ .. ومتى؟ .. وبأي قلم غير مرئي كتب هذا "السفر" الدقيق عن مستقبل لم يأت بعد .. ومن الذي كتب كل تلك المعلومات .. وبأي وسيلة .. ومن الذي يستطيع أن يدون مثل تلك المدونات.

    ورأينا كلينتون رئيس أكبر دولة في العالم يطالعنا في التلفزيون ليقول في نبرات خاشعة: أخيراً أمكن جمع المعلومات الكاملة عن الجينوم البشري وأوشك العلماء أن يفضوا الشفرة التي كتب الله بها أقدارنا.

    هكذا ذكر "الله" بالاسم في بيانه.

    نعم .. كانت صحوة مؤقتة .. أعقبها جدل .. وضجيج .. وعجيج .. وتكلم الكثير باسم الدين وباسم العلم واختلفوا.

    وعادت الأسئلة القديمة عن حرية الإنسان .. وهل هو مسيَّر أم مخيَّر .. وإذا كان الله قدّر علينا أفعالنا فلماذا يحاسبنا؟!
    ولماذا خلق الله الشر؟
    وما ذنب الذي لم يصله القرآن؟
    وما موقف الدين من التطور ولماذا نقول باستحالة أن يكون القرآن مؤلفاً.

    وعاد ذلك الحوار القديم مع صديقي الملحد ليتردد .. وعادت موضوعاته .. عن الجبر والاختيار .. والبعث .. والمصير .. والحساب .. لتصبح مواضيع الساعة.

    وتعود هذه الطبعة الجديدة في وقتها وميعادها .. لتشارك في حل هذا اللغز .. ولتعود لتثير الموضوع من منطلق العلم الثابت والإشارات القرآنية .. واليقين الإلهي الذي لا يتزلزل.

    جاء كتابنا مرة أخرى .. في ميعاده .. ومرحبا مرة أخرى بالحوار الهادئ البناء.


    مصطفى محمود


    _________________
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:30 am



    الفصل الأول
    لم يلـد ولم يولـد

    صديقي رجل يحب الجدل ويهوى الكلام، وهو يعتقد أننا – نحن المؤمنين السذج – نقتات بالأوهام ونضحك على أنفسنا بالجنة والحور العين وتفوتنا لذات الدنيا ومفاتنها، وصديقي بهذه المناسبة تخرج في فرنسا وحصل على الدكتوراه وعاش مع الهيبز وأصبح ينكر كل شيء.

    قال لي ساخراً:

    أنتم تقولون: إن الله موجود، وعمدة براهينكم هو قانون "السببية" الذي ينص على أن لكل صنعة صانعاً، ولكل خلق خالقاً، ولكل وجود موجداً، النسيج يدل على النسّاج، والرسم يدل على الرسّام، والنقش يدل على النقّاش، والكون بهذا المنطق أبلغ دليل على الإله القدير الذي خلقه.

    صدّقنا وآمنّا بهذا الخالق، ألا يحق لنا بنفس المنطق أن نسأل، ومن خلق الخالق، من خلق الله الذي تحدثوننا عنه، ألا تقودنا نفس استدلالاتكم إلى هذا، وتبعاً لنفس قانون السببية، ما رأيكم في هذا المطب دام فضلكم؟

    ونحن نقول له: سؤالك فاسد، ولا مطب ولا حاجة فأنت تسلّم بأن الله خالق ثم تقول مَن خلقه؟! فتجعل منه خالقاً ومخلوقاً في نفس الجملة وهذا تناقض.

    والوجه الآخر لفساد السؤال أنك تتصور خضوع الخالق لقوانين مخلوقاته، فالسببية قانوننا نحن أبناء الزمان والمكان.

    والله الذي خلق الزمان والمكان هو بالضرورة فوق الزمان والمكان ولا يصح لنا أن نتصوره مقيداً بالزمان والمكان، ولا بقوانين الزمان والمكان.

    والله هو الذي خلق قانون السببية، فلا يجوز أن نتصوره خاضعاً لقانون السببية الذي خلقه. وأنت بهذه السفسطة أشبه بالعرائس التي تتحرك بزمبلك، وتتصور أن الإنسان الذي صنعها لا بد هو الآخر يتحرك بزمبلك، فإذا قلنا لها بل هو يتحرك من تلقاء نفسه قالت: مستحيل أن يتحرك شيء من تلقاء نفسه، إني أرى في عالمي كل شيء يتحرك بزمبلك.

    وأنت بالمثل لا تتصور أن الله موجود بذاته بدون موجد، لمجرد أنك ترى كل شيء حولك في حاجة إلى موجد.

    وأنت كمن يظن أن الله محتاج إلى براشوت لينزل على البشر ومحتاج إلى أتوبيس سريع ليصل إلى أنبيائه، سبحانه وتعالى عن هذه الأوصاف علوّاً كبيراً.

    "عمانويل كانت" الفيلسوف الألماني في كتابه "نقد العقل الخالص" أدرك أن العقل لا يستطيع أن يحيط بكنه الأشياء وأنه مُهيّأ بطبيعته لإدراك الجزئيات والظواهر فقط، في حين أنه عاجز عن إدراك الماهيات المجردة مثل الوجود الإلهي، وإنما عرفنا الله بالضمير وليس بالعقل، شوقنا إلى العدل كان دليلنا على وجود العادل، كما أن ظمأنا إلى الماء هو دليلنا على وجود الماء.

    أما أرسطو فقد استطرد في تسلسل الأسباب قائلاً: إن الكرسي من الخشب والخشب من الشجرة، والشجرة من البذرة، والبذرة من الزارع، واضطر إلى القول بأن هذا الاستطراد المتسلسل في الزمن اللانهائي لابد أن ينتهي بنا في البدء الأول إلى سبب في غير حاجة إلى سبب، سبب أول أو محرك أول في غير حاجة إلى من يحركه، خالق في غير حاجة إلى خالق، وهو نفس ما نقوله عن الله.

    أما ابن عربي فكان رده على هذا السؤال "سؤال مَنْ خلق الخالق"، بأنه سؤال لا يرد إلا على عقل فاسد، فالله هو الذي يبرهن على الوجود ولا يصح أن نتخذ من الوجود برهاناً على الله، تماماً كما نقول إن النور يبرهن على النهار، ونعكس الآية لو قلنا إن النهار يبرهن على النور.

    يقول الله في حديث قدسي:

    (أنا يُستدل بي .. أنا لا يُستدل عليّ).

    فالله هو الدليل الذي لا يحتاج إلى دليل، لأنه الله الحق الواضح بذاته، وهو الحجة على كل شيء، الله ظاهر في النظام والدقة والجمال والإحكام، في ورقة الشجر، في ريشة الطاووس، في جناح الفراش، في عطر الورد، في صدح البلبل، في ترابط النجوم والكواكب، في هذا القصيد السيمفوني الذي اسمه الكون.

    لو قلنا إن كل هذا جاء مصادفة، لكنا كمن يتصور أن إلقاء حروف مطبعة في الهواء يمكن أن يؤدي إلى تجمعها تلقائياً على شكل قصيدة شعر لشكسبير بدون شاعر وبدون مؤلف.

    والقرآن يغنينا عن هذه المجادلات بكلمات قليلة وبليغة فيقول بوضوح قاطع ودون تفلسف:

    {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . الله الصمد . لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفواً أحد} سورة الإخلاص

    ويسألنا صاحبنا ساخراً: ولماذا تقولون إن الله واحد؟ لماذا لا يكون الآلهة متعددين؟ يتوزعون بينهم الاختصاصات؟

    وسوف نرد عليه بالمنطق الذي يعترف به، بالعلم وليس بالقرآن.
    سوف نقول له إن الخالق واحد، لأن الكون كله مبني من خامة واحدة وبخطة واحدة، فمن الأيدروجين تألفت العناصر الاثنان والتسعون التي في جدول "مندليف" بنفس الطريقة "بالادماج" وإطلاق الطاقة الذرية التي تتأجج بها النجوم وتشتعل الشموس في فضاء الكون.

    كما أن الحياة كلها بنيت من مركبات الكربون "جميع صنوف الحياة تتفحم بالاحتراق" وعلى مقتضى خطة تشريحية واحدة، تشريح الضفدعة، والأرنب، والحمامة، والتمساح، والزرافة، والحوت، يكشف عن خطة تشريحية واحدة، نفس الشرايين والأوردة وغرفات القلب، ونفس العظام، كل عظمة لها نظيرتها، الجناح في الحمامة هو الذراع في الضفدعة، نفس العظام مع تحور طفيف، والعنق في الزرافة على طوله نجد فيه نفس الفقرات السبع التي تجدها في عنق القنفذ، والجهاز العصبي هو هو في الجميع، يتألف من مخ وحبل شوكي وأعصاب حس وأعصاب حركة، والجهاز الهضمي من معدة واثني عشر، وأمعاء دقيقة وأمعاء غليظة والجهاز التناسلي نفس المبيض والرحم والخصية وقنواتها، والجهاز البولي الكلية والحالب، وحويصلة البول، ثم الوحدة التشريحية في الجميع هي الخلية، وهي في النبات كما في الحيوان كما في الإنسان، بنفس المواصفات، تتنفس وتتكاثر وتموت وتولد بنفس الطريقة.

    فأية غرابة بعد هذا أن نقول إن الخالق واحد؟ ألا تدل على ذلك وحدة الأساليب؟
    ولماذا يتعدد الكامل؟ وهل به نقص ليحتاج إلى من يكمله؟ إنما يتعدد الناقصون.

    ولو تعدد الآلهة لاختلفوا، ولذهب كل إله بما خلق، ولفسدت السماوات والأرض، والله له الكبرياء والجبروت وهذه صفات لا تحتمل الشركة.

    ويسخر صاحبنا من معنى الربوبية كما نفهمه، ويقول أليس عجيباً ذلك الرب الذي يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، فيأخذ بناصية الدابة، ويوحي إلى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتاً، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، وما تخرج من ثمرات من أكمامها إلاّ أحصاها عدداً، وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه، وإذا عثرت قدم في حفرة فهو الذي أعثرها، وإذا سقطت ذبابة في طعام فهو الذي أسقطها، وإذا تعطلت الحرارة في تليفون فهو الذي عطلها، وإذا امتنع المطر فهو الذي منعه، وإذا هطل فهو الذي أهطله، ألا تشغلون إلهكم بالكثير التافه من الأمور بهذا الفهم.

    ولا أفهم أيكون الرب في نظر السائل أجدر بالربوبية لو أنه أعفى نفسه من هذه المسؤوليات وأخذ إجازة وأدار ظهره للكون الذي خلقه وتركه يأكل بعضه بعضاً!

    هل الرب الجدير في نظره هو رب عاطل مغمى عليه لا يسمع ولا يرى ولا يستجيب ولا يعتني بمخلوقاته؟، ثم من أين للسائل بالعلم بأن موضوعاً ما تافه لا يستحق تدخل الإله، وموضوعاً آخر مهماً وخطير الشأن؟

    إن الذبابة التي تبدو تافهة في نظر السائل لا يهم في نظره أن تسقط في الطعام أو لا تسقط، هذه الذبابة يمكن أن تغيّر التاريخ بسقوطها التافه ذلك، فإنها يمكن أن تنقل الكوليرا إلى جيش وتكسب معركة لطرف آخر، تتغير بعدها موازين التاريخ كله.

    ألم تقتل الإسكندر الأكبر بعوضة؟

    إن أتفه المقدمات ممكن أن تؤدي إلى أخطر النتائج، وأخطر المقدمات ممكن أن تنتهي إلى لا شيء، وعالم الغيب وحده هو الذي يعلم قيمة كل شيء.

    وهل تصور السائل نفسه وصيّاً على الله يحدد له اختصاصاته، تقدّس وتنزّه ربنا عن هذا التصور الساذج.

    إنما الإله الجدير بالألوهية هنا هو الإله الذي أحاط بكل شيء علماً، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، الإله السميع المجيب، المعتني بمخلوقاته.
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:31 am


    الفصل الثاني
    إذا كان الله قدَّر عليّ أفعالي فلماذا يحاسبني؟

    قال صديقي في شماتة وقد تصوّر أنه أمسكني من عنقي وأنه لا مهرب لي هذه المرة:
    أنتم تقولون إن الله يُجري كل شيء في مملكته بقضاء وقدر، وإن الله قدَّر علينا أفعالنا، فإذا كان هذا هو حالي، وأن أفعالي كلها مقدّرة عنده فلماذا يحاسبني عليها؟

    لا تقل لي كعادتك، أنا مخيـَّر، فليس هناك فرية أكبر من هذه الفرية ودعني أسألك:
    هل خُـيّرتُ في ميلادي وجنسي وطولي وعرضي ولوني ووطني؟

    هل باختياري تشرق الشمس ويغرب القمر؟

    هل باختياري ينزل عليَّ القضاء ويفاجئني الموت وأقع في المأساة فلا أجد مخرجاً إلا الجريمة.

    لماذا يُكرهني الله على فعل ثم يؤاخذني عليه؟

    وإذا قلت إنك حر، وإن لك مشيئة إلى جوار مشيئة الله ألا تشرك بهذا الكلام وتقع في القول بتعدد المشيئات؟

    ثم ما قولك في حكم البيئة والظروف، وفي الحتميات التي يقول بها الماديون التاريخيون؟

    أطلق صاحبي هذه الرصاصات ثم راح يتنفس الصعداء في راحة وقد تصوَّر أني توفيت وانتهيت، ولم يبق أمامه إلا استحضار الكفن.

    قلت له في هدوء:
    أنت واقع في عدة مغالطات، فأفعالك معلومة عند الله في كتابه، ولكنها ليست مقدورة عليك بالإكراه، إنها مقدَّرة في علمه فقط، كما تقدِّر أنت بعلمك أن ابنك سوف يزني، ثم يحدث أن يزني بالفعل، فهل أكرهته أو كان هذا تقديراً في العلم وقد أصاب علمك؟

    أما كلامك عن الحرية بأنها فرية، وتدليلك على ذلك بأنك لم تخيَّر في ميلادك ولا في جنسك ولا في طولك ولا في لونك ولا في موطنك، وأنك لا تملك نقل الشمس من مكانها هو تخليط آخر، وسبب التخليط هذه المرة أنك تتصوَّر الحرية بالطريقة غير تلك التي نتصورها نحن المؤمنين.

    أنت تتكلم عن حرية مطلقة فتقول أكنت أستطيع أن أخلق نفسي أبيض أو أسود أو طويلا أو قصيراً، هل بإمكاني أن أنقل الشمس من مكانها أو أوقفها في مدارها، أين حريتي؟

    ونحن نقول له: أنت تسأل عن حرية مطلقة، حرية التصرف في الكون وهذه ملك لله وحده، نحن أيضاً لا نقول بهذه الحرية { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } 68 سورة القصص

    ليس لأحد الخيرة في مسألة الخلق، لأن الله هو الذي يخلق ما يشاء ويختار، ولن يحاسبك الله على قِصَرك ولن يعاتبك على طولك ولن يعاقبك لأنك لم توقف الشمس في مدارها، ولكن مجال المساءلة هو مجال التكليف، وأنت في هذا المجال حر، وهذه هي الحدود التي نتكلم فيها.

    أنت حر في أن تقمع شهوتك وتلجم غضبك وتقاوم نفسك وتزجر نياتك الشريرة وتشجع ميولك الخيرة.
    أنت تستطيع أن تجود بمالك ونفسك.
    أنت تستطيع أن تصدق وأن تكذب.
    وتستطيع أن تكف يدك عن المال الحرام.
    وتستطيع أن تكف بصرك عن عورات الآخرين.
    وتستطيع أن تمسك لسانك عن السباب والغيبة والنميمة.

    في هذا المجال نحن أحرار، وفي هذا المجال نُحاسَب ونُسأل.

    الحرية التي يدور حولها البحث هي الحرية النسبية وليست الحرية المطلقة حرية الإنسان في مجال التكليف، وهذه الحرية حقيقة ودليلنا عليها هو شعورنا الفطري بها في داخلنا فنحن نشعر بالمسؤولية وبالندم على الخطأ، وبالراحة للعمل الطيب ونحن نشعر في كل لحظة أننا نختار ونوازن بين احتمالات متعددة، بل إن وظيفة عقلنا الأولى هي الترجيح والاختيار بين البديلات.

    ونحن نفرق بشكل واضح وحاسم بين يدنا وهي ترتعش بالحمى، ويدنا وهي تكتب خطاباً، فنقول إن حركة الأولى جبرية قهرية، والحركة الثانية حرة اختيارية، ولو كنا مسيرين في الحالتين لما استطعنا التفرقة.

    ويؤكد هذه الحرية ما نشعر به من استحالة إكراه القلب على شيء لا يرضاه تحت أي ضغط، فيمكنك أن تُكره امرأة بالتهديد والضرب على أن تخلع ثيابها، ولكنك لا تستطيع بأي ضغط أو تهديد أن تجعلها تحبك من قلبها ومعنى هذا أن الله أعتق قلوبنا من كل صنوف الإكراه والإجبار، وأنه فطرها حرة.

    ولهذا جعل الله القلب والنية عمدة الأحكام، فالمؤمن الذي ينطق بعبارة الشرك والكفر تحت التهديد والتعذيب لا يحاسب على ذلك طالما أن قلبه من الداخل مطمئن بالإيمان، وقد استثناه الله من المؤاخذة في قوله تعالى: { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ٌ} 106 سورة النحل

    والوجه الآخر من الخلط في هذه المسألة أن بعض الناس يفهم حرية الإنسان بأنها علو على المشيئة، وانفراد بالأمر، فيتهم القائلين بالحرية بأنهم أشركوا بالله وجعلوا له أنداداً يأمرون كأمره، ويحكمون كحكمه، وهذا ما فهمته أنت أيضاً، فقلت بتعدد المشيئات وهو فهم خاطئ، فالحرية الإنسانية لا تعلو على المشيئة الإلهية.

    إن الإنسان قد يفعل بحريته ما ينافي الرضا الإلهي ولكنه لا يستطيع أن يفعل ما ينافي المشيئة، الله أعطانا الحرية أن نعلو على رضاه "فنعصيه"، ولكن لم يعط أحداً الحرية في أن يعلو على مشيئته، وهنا وجه آخر من وجوه نسبية الحرية الإنسانية.

    وكل ما يحدث منا داخل في المشيئة الإلهية وضمنها، وإن خالف الرضا الإلهي وجانب الشريعة، وحريتنا ذاتها كانت منحة إلهية وهبة منحها لنا الخالق باختياره، ولم نأخذها منه كرهاً ولا غصباً، إن حريتنا كانت عين مشيئته، ومن هنا معنى الآية:

    {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ } 30 سورة الإنسان

    لأن مشيئتنا ضمن مشيئته ، ومنحة منه، وهبة من كرمه وفضله، فهي ضمن إرادته لا ثنائية ولا تناقض، ولا منافسة منا لأمر الله وحكمه.

    والقول بالحرية بهذا المعنى لا ينافي التوحيد، ولا يجعل لله أنداداً يحكمون كحكمه ويأمرون كأمره، فإن حرياتنا كانت عين أمره ومشيئته وحكمه.

    والوجه الثالث للخلط أن بعض من تناولوا مسألة القضاء والقدر والتسيير والتخيير، فهموا القضاء والقدر بأنه إكراه للإنسان على غير طبعه وطبيعته وهذا خطأ وقعت فيه أنت أيضاً، وقد نفى الله عن نفسه الإكراه بآيات صريحة:

    {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} 4 سورة الشعراء

    والمعنى واضح .. أنه كان من الممكن أن نُكره الناس على الإيمان بالآيات الملزمة، ولكننا لم نفعل لأنه ليس في سنتنا الإكراه.

    { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } 256 سورة البقرة

    { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } 99 سورة يونس

    ليس في سُنة الله الإكراه.

    والقضاء والقدر لا يصح أن يُفهم على أنه إكراه للناس على غير طبائعهم، وإنما على العكس، الله يقضي على كل إنسان من جنس نيته، ويشاء له من جنس مشيئته، ويريد له من جنس إرادته، لا ثنائية، تسيير الله هو عين تخيير العبد، لأنه الله يسيِّر كل امرئ على هوى قلبه وعلى مقتضى نياته.

    { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا } 20 سورة الشورى

    { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً } 10 سورة البقرة

    { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى } 17 سورة محمد

    وهو يخاطب الأسرى في القرآن:

    { إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ } 70 سورة الأنفال

    الله يقضي ويقدِّر، ويجري قضاءه وقدره على مقتضى النية والقلب، إن شراً فشر وإن خيراً فخير، ومعنى هذا أنه لا ثنائية، التسيير هو عين التخيير، ولا ثنائية ولا تناقض.

    الله يسيِّرنا إلى ما اخترناه بقلوبنا ونياتنا، فلا ظلم ولا إكراه ولا جبر، ولا قهر لنا على غير طبائعنا.

    { فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى . وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } 5 سورة الليل

    { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } 17 سورة الأنفال

    هنا تلتقي رمية العبد والرمية المقدَّرة من الرب، فتكون رمية واحدة، وهذا مفتاح لغز القضاء والقدر، على العبد النية، وعلى الله التمكين، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، والحرية الإنسانية ليست مقداراً ثابتاً، ولكنها قدرة نسبية قابلة للزيادة.

    الإنسان يستطيع أن يزيد من حريته بالعلم، باختراع الوسائل والأدوات والمواصلات استطاع الإنسان أن يطوي الأرض، ويهزم المسافات، ويخترق قيود الزمان والمكان، وبدراسة قوانين البيئة استطاع أن يتحكم فيها ويسخرها لخدمته، وعرف كيف يهزم الحر والبرد والظلام، وبذلك يضاعف من حرياته في مجال الفعل، العلم كان وسيلة إلى كسر القيود والأغلال وإطلاق الحرية.

    أما الوسيلة الثانية فكانت الدين، الاستمداد من الله بالتقرب منه، والأخذ عنه بالوحي والتلقي والتأييد، وهذه وسيلة الأنبياء ومن في دربهم، سخّر سليمان الجن وركب الريح وكلّم الطير بمعونة الله ومدده، وشق موسى البحر، وأحيا المسيح الموتى، ومشى على الماء، وأبرأ الأكمه والأبرص والأعمى، ونقرأ عن الأولياء أصحاب الكرامات الذين تُطوى لهم الأرض وتكشف لهم المغيبات.

    وهي درجات من الحرية اكتسبوها بالاجتهاد في العبادة والتقرب إلى الله والتحبب إليه، فأفاض عليهم من علمه المكنون، إنه العلم مرة أخرى ولكنه هذه المرة العلم "اللدني".

    ولهذا يُلخص أبو حامد الغزالي مشكلة المخيَّر والمسيَّر قائلاً في كلمتين:

    الإنسان مخيَّر فيما يعلم .. مسيَّر فيما لا يعلم

    وهو يعني بهذا أنه كلما اتسع علمه اتسع مجال حريته، سواء كان العلم المقصود هو العلم الموضوعي أو العلم اللدنِّي.

    ويخطئ المفكرون الماديون أشد الخطأ حينما يتصورون الإنسان أسير الحتميات التاريخية والطبقية، ويجعلون منه حلقة في سلسلة من الحلقات لا فكاك له، ولا مهرب من الخضوع لقوانين الاقتصاد وحركة المجتمع، كأنما هو قشة في تيار بلا ذراعين وبلا إرادة.

    والكلمة التي يرددونها ولا يتعبون من ترديدها وكأنها قانون: "حتمية الصراع الطبقي" وهي كلمة خاطئة في التحليل العلمي، لأنه لا حتميات في المجال الإنساني، وإنما على الأكثر ترجيحات واحتمالات، وهذا هو الفرق بين الإنسان، وبين التروس، والآلات والأجسام المادية، فيمكن التنبوء بخسوف الشمس بالدقيقة والثانية، ويمكن التنبؤ بحركاتها المستقبلة على مدى أيام وسنين، أما الإنسان فلا يمكن أن يعلم أحد ماذا يُضمر وماذا يُخبئ في نياته، وماذا يفعل غداً أو بعد غد، ولا يمكن معرفة هذا إلا على سبيل الاحتمال والترجيح والتخمين، وذلك على فرض توفر المعلومات الكافية للحكم.

    وقد أخطأت جميع تنبؤات كارل ماركس، فلم تبدأ الشيوعية في بلد متقدم كما تنبأ، بل في بلد متخلف، ولم يتفاقم الصراع بين الرأسمالية والشيوعية، بل تقارب الاثنان إلى حالة من التعايش السلمي، وأكثر من هذا فتحت البلاد الشيوعية أبوابها لرأس المال الأمريكي، ولم تتصاعد التناقضات في المجتمع الرأسمالي إلى الإفلاس الذي توقعه كارل ماركس، بل على العكس، ازدهر الاقتصاد الرأسمالي ووقع الشقاق والخلاف بين أطراف المعسكر الاشتراكي ذاته.

    أخطأت حسابات ماركس جميعها دالة بذلك على خطأ منهجه الحتمي، ورأينا صراع العصر الذي يحرك التاريخ هو الصراع اللاطبقي بين الصين وروسيا، وليس الصراع الطبقي الذي جعله ماركس عنوان منهجه، وكلها شواهد على فشل الفكر المادي في فهم الإنسان والتاريخ، وتخبطه في حساب المستقبل، وجاء كل ذلك نتيجة خطأ جوهري، هو أن الفكر المادي تصوَّر أن الإنسان ذبابة في شبكة من الحتميات، ونسي تماماً أنّ الإنسان حر، وأن حريته حقيقة.

    أمّا كلام الماديين عن حكم البيئة والمجتمع والظروف، وأن الإنسان لا يعيش وحده ولا تتحرك حريته في فراغ نقول ردّاً على هذا الكلام: إن حكم البيئة والمجتمع والظروف كمقاومات للحرية الفردية إنما يؤكد المعنى الجدلي لهذه الحرية ولا ينفيه، فالحرية الفردية لا تؤكد ذاتها إلا ّ في وجه مقاومة تزحزحها.

    أما إذا كان الإنسان يتحرك في فراغ بلا مقاومة من أي نوع فإنه لا يكون حراً بالمعنى المفهوم للحرية، لأنه لن تكون هناك عقبة يتغلب عليها ويؤكد حريته من خلالها.
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:32 am

    الفصل الثالث
    لماذا خلق الله الشر؟

    قال صاحبي ساخرًا:
    كيف تزعمون أن إلهكم كامل ورحمن ورحيم وكريم ورؤوف وهو قد خلق كل هذه الشرور في العالم، المرض والشيخوخة والموت والزلزال والبركان والميكروب والسم والحر والزمهرير وآلام السرطان التي لا تعفي الطفل الوليد ولا الشيخ الطاعن؟

    إذا كان الله محبة وجمالا وخيراً فكيف يخلق الكراهية والقبح والشر؟

    والمشكلة التي أثارها صاحبي من المشاكل الأساسية في الفلسفة قد انقسمت حولها مدارس الفكر واختلفت حولها الآراء، ونحن نقول أن الله كله رحمة وكله خير وأنه لم يأمر بالشر ولكنه سمح به لحكمة.

    {إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ (29)} الأعراف-28.

    الله لا يأمر إلا بالعدل والمحبة والإحسان والعفو والخير وهو لا يرضى إلا بالطيب، فلماذا ترك الظالم يظلم والقاتل يقتل والسارق يسرق؟

    لأن الله أرادنا أحراراً، والحرية اقتضت الخطأ ولا معنى للحرية دون أن يكون لنا حق التجربة والخطأ والصواب، والاختيار الحر بين المعصية والطاعة، وكان في قدرة الله أن يجعلنا جميعاً أخياراً وذلك بأن يقهرنا على الطاعة قهراً وكان ذلك يقتضي أن يسلبنا حرية الاختيار.

    وفي دستور الله وسنته أن الحرية مع الألم أكرم للإنسان من العبودية مع السعادة، ولهذا تركنا نخطيء ونتألم ونتعلم وهذه هي الحكمة في سماحه بالشر، ومع ذلك فإن النظر المنصف المحايد سوف يكشف لنا أن الخير في الوجود هو القاعدة وأن الشر هو الاستثناء.

    فالصحة هي القاعدة والمرض استثناء ونحن نقضي معظم سنوات عمرنا في صحة ولا يزورنا المرض إلا أياماً قليلة، وبالمثل الزلازل هي في مجملها بضع دقائق في عمر الكرة الأرضية الذي يحصى بملايين السنين وكذلك البراكين، وكذلك الحروب هي تشنجات قصيرة في حياة الأمم بين فترات سلام طويلة ممتدة.

    ثم أننا نرى لكل شيء وجه خير فالمرض يخلف وقاية والألم يربي الصلابة والجَلد والتحمل والزلازل تنفس عن الضغط المكبوت في داخل الكرة الأرضية وتحمي القشرة الأرضية من الانفجار وتعيد الجبال إلى أماكنها كأحزمة وثقالات تثبت القشرة الأرضية في مكانها، والبراكين تنفث المعادن والثروات الخبيثة الباطنة وتكسو الأرض بتربة بركانية خصبة، والحروب تدمج الأمم وتلقح بينها وتجمعها في كتل وأحلاف ثم في عصبة أمم ثم في مجلس أمن هو بمثابة محكمة عالمية للتشاكي والتصالح، وأعظم الاختراعات خرجت أثناء الحروب، البنسلين الذرّة الصواريخ الطائرات النفاثة كلها خرجت من أتون الحروب. ومن سم الثعبان يخرج الترياق، ومن الميكروب نصنع اللقاح.

    ولولا أن أجدادنا ماتوا لما كنا الآن في مناصبنا، والشر في الكون كالظل في الصورة إذا اقتربت منه خيل إليك أنه عيب ونقص في الصورة، ولكن إذا ابتعدت ونظرت إلى الصورة ككل نظرة شاملة اكتشفت أنه ضروري ولا غنى عنه وأنه يؤدي وظيفة جمالية في البناء العام للصورة.

    وهل كان يمكننا أن نعرف الصحة لولا المرض؟. إن الصحة تظل تاجاً على رؤوسنا لا نراه ولا نعرفه إلا حينما نمرض، وبالمثل ما كان ممكنا أن نعرف الجمال لولا القبح ولا الوضع الطبيعي لولا االشاذ.

    ولهذا يقول الفيلسوف أبو حامد الغزالي: "إن نقص الكون هو عين كماله مثل اعوجاج القوس هو عين صلاحيته ولو أنه استقام لما رمى"

    وظيفة أخرى للمشقات والآلام، أنها هي التي تفرز الناس وتكشف معادنهم، لولا المشقة ساد الناس كلهم، الجود يفقر والإقدام قتال، إنها الامتحان الذي نعرف به أنفسنا، والابتلاء الذي تتحدد به مراتبنا عند الله.

    ثم إن الدنيا كلها ليست سوى فصل واحد من رواية سوف تتعدد فصولها فالموت ليس نهاية القصة ولكن بدايتها، ولا يجوز أن نحكم على مسرحية من فصل واحد ولا أن نرفض كتاباً لأن الصفحة الأولى لم تعجبنا. الحكم هنا ناقص.

    ولا يمكن استطلاع الحكمة كلها إلا في آخر المطاف، ثم ما هو البديل الذي يتصوره السائل الذي يسخر منا؟!
    هل يريد أن يعيش حياة بلا موت بلا مرض بلا شيخوخة بلا نقص بلا عجز بلا قيود بلا أحزان بلا آلام، هل يطلب كمالا مطلقا؟!

    ولكن الكمال المطلق لله، والكامل واحد لا يتعدد، ولماذا يتعدد، وماذا ينقصه ليجده في واحد آخر غيره؟!

    معنى هذا أن صاحبنا لن يرضيه إلا أن يكون هو الله ذاته وهو التطاول بعينه، ودعونا نسخر منه بدورنا، هو وأمثاله ممن لا يعجبهم شيء، هؤلاء الذين يريدونها جنة، ماذا فعلوا ليستحقونها جنة، وماذا قدم صاحبنا للإنسانية ليجعل من نفسه الله الواحد القهار الذي يقول للشيء كن فيكون؟

    إن جدتي أكثر ذكاء من الأستاذ الدكتور المتخرج من فرنسا حينما تقول في بساطة: "خير من الله شر من نفوسنا".

    إنها كلمات قليلة ولكنها تلخيص أمين للمشكلة كلها، فالله أرسل الرياح وأجرى النهر ولكن ربان السفينة الجشع ملأ سفينته بالناس والبضائع بأكثر مما تحتمل فغرقت فمضى يسب الله والقدر، وما ذنب الله؟! الله أرسل الرياح رخاء وأجرى النهر خيراً، ولكن جشع النفوس وطمعها هو الذي قلب هذا الخير شراً.

    ما أصدقها من كلمات جميلة طيبة "خير من الله شر من نفوسنا".
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:33 am

    الفصل الرابع
    وما ذنب الذي لم يصله قرآن؟

    هرش صاحبنا الدكتور رأسه ...
    كان من الواضح أنه يبحث لي في الدكتوراه عن حفرة أو مطب يدق عنقي فيه، ثم قال في هدوء وهو يرتب كلماته:
    حسناً ...وما رأيك في هذا الإنسان الذي لم يصله قرآن ولم ينزل عليه كتاب ولم يأته نبي، ما ذنبه وما مصيره عندكم يوم الحساب، مثل الاسكيمو في أقاصي القطبين أو زنجي في الغابات، ماذا يكون حظه بين يدي إلهكم يوم القيامة.

    قلت له:
    دعني أصحح معلوماتك أولاً، فقد بنيت أسئلتك على مقدمة خاطئة، فالله أخبرنا بأنه لم يحرم أحداً من رحمته ووحيه وكلماته وآياته.

    { وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ } 24 فاطر
    { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً } 36 النحل

    والرسل الذين جاء ذكرهم في القرآن ليسوا كل الرسل، وإنما هناك آلاف غيرهم لا نعلم عنهم شيئاً، والله يقول لنبيه عن الرسل:

    { مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } 78 غافر

    والله يوحي إلى كل شيء حتى النحل.

    { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } 68 النحل

    وقد يكون الوحي كتاباً يلقيه جبريل، وقد يكون نوراً يلقيه الله في قلب العبد، وقد يكون انشراحاً في الصدر، وقد يكون حكمة وقد يكون حقيقة وقد يكون فهماً وقد يكون خشوعاً ورهبة وتقوى، وما من أحد يرهف قلبه ويرهف سمعه إلا ويتلقى من الله فضلاً.

    أما الذين يصمون آذانهم وقلوبهم فلا تنفعهم كتب ولا رسل ولا معجزات ولو كثرت، والله قال أنه يختص برحمته من يشاء وأنه لا يسأل عما يفعل، وقد يريد الله لحكمة أن ينذر أحداً وأن يعذر آخر فيقبل منه أهون الإيمان.

    ومن يدرينا، ربما كانت مجرد لفته من ذلك الزنجي البدائي إلى السماء في رهبة هي عند الله منجية ومقبولة أكثر من صلاتنا، على أن القراءة المتأملة لأديان هؤلاء الزنوج البدائيين تدل على أنه كان لهم رسل ورسالات سماوية مثل رسالاتنا.

    في قبيلة الماو ماو مثلاً نقرأ أنهم يؤمنون بإله يسمونه "موجايى" ويصفونه بأنه واحد أحد لم يلد ولم يولد وليس له كفؤ ولا شبيه، وأنه لا يرى ولا يعرف إلا من آثاره وأفعاله، وأنه خالق رازق وهاب رحيم يشفي المريض وينجد المأزوم وينزل المطر ويسمع الدعاء ويصفونه بأن البرق خنجره والرعد وقع خطاه.

    أليس هذا الـ "موجايى" هو إلهنا بعينه، ومن أين جاءهم هذا العلم إلا أن يكون في تاريخهم رسول ومبلغ جاء به، ثم تقادم عليه العهد كالمعتاد فدخلت الخرافات والشعوذات فشوهت هذا النقاء الديني.

    وفي قبيلة نيام نيام نقرأ أنهم يؤمنون بإله واحد يسمونه "مبولي" ويقولون أن كل شيء في الغابة يتحرك بإرادة "مبولي" وأنه يسلط الصواعق على الأشرار من البشر، ويكافئ الأخيار بالرزق والبرة والأمان.

    وفي قبيلة الشيلوك يؤمنون بإله واحد يسمونه "جوك" ويصفونه بأنه خفي وظاهر، وأنه في السماء وفي كل مكان وأنه خالق كل شيء.

    وفي قبيلة الدنكا يؤمنون بإله واحد يسمونه "نيالاك" وهي كلمة ترجمتها الحرفية "الذي في السماء" أو الأعلى.

    ماذا نسمي هذه العقائد إلا أنها إسلام؟ وماذا تكون إلا رسالات كان لها في تاريخ هؤلاء الأقوام رسل؟ إن الدين لواحد.

    { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } 62 البقرة

    حتى الصابئين الذين عبدوا الشمس على أنها آية من آيات الله وآمنوا بالله الواحد وبالآخرة والبعث والحساب وعملوا الصالحات فلهم أجرهم عند ربهم، ومعلوم أن رحمة الله تتفاوت، وهناك من يولد أعمى وهناك من يولد مبصراً وهناك من عاش أيام موسى ورآه رأي العين وهو يشق البحر بعصاه، وهناك من عاش أيام المسيح ورآه يحيى الموتى، أما نحن فلا نعلم عن هذه الآيات إلا سمعاً، وليس الخبر كالعيان وليس من رأي كمن سمع، ومع ذلك فالإيمان وعدمه ليس رهناً بالمعجزات. والمكابرون المعاندون يرون العجب من أنبيائهم فلا يزيد قولهم على أن هذا "سحر مفترى".

    ولا شك أن صاحبنا الدكتور القادم من فرنسا قد بلغه من الكتب ثلاثة، توراة وإنجيل وقرآن وبلغته، فلم تزده هذه الكتب إلا إغراقاً في الجدل، وحتى يهرب من الموقف كله أحاله على شخص مجهول في الغابات لم ينزل عليه كتاب، وراح يسألنا وما بالكم بهذا الرجل الذي لم يصله قرآن ولم ينزل عليه كتاب، ملتمساً بذلك ثغرة في العدل الإلهي أو موهماً نفسه بأن المسألة كلها عبث.

    وهو لذلك يسألنا "ولماذا تتفاوت رحمة الله"، لماذا يشهد الله واحداً على آياته، ولا يدري آخر بتلك الآيات إلا سمعاً.

    ونحن نقول أنها قد لا تكون رحمة بل نقمة ألم يقل الله لأتباع المسيح الذين طلبوا نزول مائدة من السماء محذراً:

    { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ } 115 المائدة

    ذلك لأنه مع نزول المعجزات يأتي دائماً تشديد العذاب لمن يكفر، وطوبى لمن آمن بالسماع ودون أن يرى معجزة، والويل للذين شاهدوا ولم يؤمنوا.

    فالقرآن في يدك حجة عليك ونذير، ويوم الحساب يصبح نقمة لا رحمة، وعدم إقامة هذه الحجة البينة على الاسكيمو ساكن القطبين قد يكون إعفاء وتخفيفاً ورحمة ومغفرة يوم الحساب، وقد تكون لفتة إلى السماء من هذا الاسكيمو الجاهل ذات ساعة في عمره، عند الله كافية لقبوله مؤمناً مخلصاً، أما لماذا يرحم الله واحداً أكثر مما يرحم آخر فهو أمر يؤسسه الله على علمه بالقلوب.

    { فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } 18 الفتح

    وعلم الله بنا وبقلوبنا يمتد إلى ما قبل نزولنا في الأرحام حينما كنا عنده أرواحاً حول عرشه، فمنا من التف حول نوره ومنا من انصرف عنه مستمتعاً بالملكوت وغافلاً عن جمال خالقه، فاستحق الرتبة الدنيا من ذلك اليوم وسبق عليه القول، هذا كلام أهل المشاهدة.

    وما نراه من تاريخنا القصير في الدنيا ليس كل شيء، ومعرفة الحكمة من كل ألم وحرمان أمر لا يعلمه إلا العليم، والذي يسألني: لماذا خلق الله الخنزير خنزيراً؟ لا أملك إلا أن أجيبه بأن الله اختار له ثوباً خنزيرياً لأن نفسه خنزيرية وأن خلقه هكذا حق وعدل.

    وكل ما نرى حولنا من استحقاقات هي عدل، لكن معرفة الحكمة الكلية وإماطة اللثام عن هذا العدل أمر ليس في مقدور كل واحد، ولعل لهذا السبب هناك آخرة، ويوم تنصب فيه الموازين وينبئنا العليم بكل ما اختلفنا فيه، ومع هذا فسوف أريحك بالكلمة الفصل، فقد قال الله في كتابه أنه لن يعذب إلا من أنذرهم بالرسل.

    { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } 15 الإسراء

    هل أرحت واسترحت.

    ثم دعني أقول لك يا صاحبي، إن أعجب ما في سؤالك أن ظاهره يوهم بالإيمان والإشفاق على الزنجي المسكين الذي فاته ما في القرآن من نور ورحمة وهدى، مع أن حقيقتك هي الكفر بالقرآن وبنوره ورحمته وهداه، فسؤالك أقرب ما يكون إلى الاستدراج والمخادعة وفيه مناقضة للنفس هي "اللكاعة" بعينها، فأنت تحاول أن تقيم علينا حجة هي عندك ليس لها أي حجة.

    ألا ترى معي يا صاحبي أن جهاز المنطق عندك في حاجة إلى إصلاح.
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:35 am


    الفصل الخامس
    الجنــة والنـــار
    كان صديقنا الدكتور واثقاً من نفسه كل الثقة هذه المرة وهو يلوك الكلمات ببطء ليلقي بالقنبلة.
    كيف يعذبنا الله وهو الرحمن الرحيم على ذنب محدود في الزمن بعذاب لا محدود في الأبد (النار خالدين فيها أبدا)، ومن نحن وماذا نساوي بالنسبة لعظمة الله حتى ينتقم منا هذا الانتقام، وما الإنسان إلا ذرة أو هبأة في الكون وهو بالنسبة لجلال الله أهون من ذلك بكثير، بل هو اللاشيء بعينه.

    ونحن نصحح معلومات الدكتور فنقول:
    أولاً ... إننا لسنا ذرة ولا هبأة في الكون، وإن شأننا عند الله ليس هيناً بل عظيماً.
    ألم ينفخ فينا من روحه، ألم يسجد لنا الملائكة، ألم يعدنا بميراث السماوات والأرض ويقول عنا (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا).

    إن فينا إذا من روح الله، ونحن بالنسبة للكون لسنا ذرة ولا هبأة، إننا نبدو بالنظر إلى أجسادنا كذرة أو هبأة بالنسبة للكون الفسيح الواسع ولكن ألا نحتوي على هذا الكون ونستوعبه بعقلنا وندرك قوانينه وأفلاكه ونرسم لكل كوكب مداره؟

    ثم ينزل رائد الفضاء على القمر فيكتشف أن كل ما استوعبناه بعقلنا على الأرض كان صحيحاً وكل ما رسمناه كان دقيقاً.

    ألا يدل هذا على أننا بالنظر إلى روحنا أكبر من الكون وأننا نحتوي عليه وأن الشاعر كان على حق حينما خاطب الإنسان قائلاً:

    وتحسب أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر

    وإن الإنسان كما يقول الصوفية هو الكتاب الجامع والكون صفحاته، إذاً الإنسان عظيم الشأن كبير الخطر، وهو من روح الله، وأعماله تستوجب المحاسبة.

    أما عن الذنب المحدود في الزمان الذي يحاسبنا الله عليه بعذاب اللامحدود في الأبد، فمغالطة أخرى وقع فيها الدكتور العزيز الواثق من نفسه، فالله يقول عن هؤلاء المخلدين في النار حينما يطلبون العودة إلى الدنيا ليعملوا غير ما عملوا، يقول سبحانه:

    (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون)

    أي أن ذنبهم ليس ذنباً محدوداً في الزمان بل هو خصلة ثابتة سوف تتكرر في كل زمان، ولو ردوا لعادوا إلى ذنبهم وإنهم لكاذبون، هي إذاً صفحة مؤبدة في النفس وليست سقطة عارضة في ظرف عارض في الدنيا.

    وهو يقول عنهم في مكان آخر:

    (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء . ألا إنهم هم الكاذبون)

    هنا لون آخر من الإصرار والتحدي يصل إلى أنهم يواجهون الله بالكذب والحلف الكذب وهم بين يديه يوم الموقف العظيم يوم ترفع الحجب وينكشف الغطاء، وهذا غاية الجبروت والصلف.

    ولسنا هنا أمام ذنب محدود في الزمان، بل أمام ذنب مستمر في الزمان وبعد أن يطوى الزمان وكل زمان، نحن هنا أمام نفس تحمل معها شرها الأبدي، ومن هنا كان تأبيد العذاب لهذه النفس عدلاً، ولهذا تقول عنهم الآية في صراحة:

    { وما هم بخارجين من النار }

    ويقول إبن عربي: "إن الرحمة بالنسبة لهؤلاء أنهم سوف يتعودون على النار، وتصبح تلك النار في الآباد المؤبدة بيئتهم الملائمة"

    ولا شك أن هناك مجانسة بين بعض النفوس المجرمة وبين النار، فبعض تلك النفوس هي في حقيقتها شعلة حسد وحقد وشهوة وغيرة وغل وضرام من الغضب والنقمة والثورة والمشاعر الإجرامية المحتدمة وكأنها نار بالفعل.

    مثل تلك النفوس لا تستطيع أن تعيش في سلام، ولا تستطيع أن تحيا ساعة دون أن تشعل حولها حرباً، ودون أن تضرم حولها النيران، لأن النيران هي بيئتها وطبيعتها.

    ومثل تلك النفوس يكون قرارها في النار هو الحكم العدل ويكون هذا المصير من قبيل وضع الشيء في مكانه، فلو أنها أدخلت الجنة لما تذوقتها، ألم تكن ترفض السلام في الأرض؟

    وينبغي أن نفهم النار والجنة في الآخرة فهماً واسع الأفق، فالنار في الآخرة ليست شواية، وليس ما يجري فيها هو الحريق بالمعنى الدنيوي فالله يقول إن المذنبين يتكلمون ويتلاعنون وأن النار فيها شجرة لها ثمر، هي شجرة الزقوم التي تخرج من أصل الجحيم، كما أن فيها ماء حميماً يشرب منه المعذبون، مثل تلك النار التي فيها شجرة الزقوم وفيها ماء، ويتكلم فيها الناس فلا بد أنها نار غير النار:

    { كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون }

    إنهم يتكلمون وهم في النار وهي نار:

    { وقودها الناس والحجارة }

    هذه النار إذاً من قبيل الغيب، وما ورد عنها إشارات ولا يجب أن يفهم من هذا الكلام أننا ننكر العذاب الحسي ونقول بالعذاب المعنوي، فإن العذاب الحسي صريح لا يجوز الشك فيه ونحن نؤمن بوجوده.

    وإنما نقول إن تفاصيل هذا العذاب وكيفيته، كما أن كيفية تلك النار وأوصافها التفصيلية هي غيب مجهول، فهي على ما يبدو في الإشارات القرآنية نار غير النار، كما أن أجسامنا في تحملها لتلك النار هي غير الأجسام الترابية الهشة التي لنا الآن.

    ونفس الشيء في الجنة، فهي ليست سوق خضار وبلح ورمان وعنب، وإنما تلك الأوصاف القرآنية هي مجرد إشارات وضرب أمثلة وتقريب إلى الأذهان.

    { مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه }

    "مثل الجنة" أي أننا نضرب مثلاً يقرب فهم الجنة إليك ولكن الحقيقة أن التفاصيل غيب.

    { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون }
    { جنة عرضها السموات والأرض }

    فهي لا يمكن أن تكون مجرد حديقة.

    { وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة }

    فهي غير فاكهتنا المقطوعة والممنوعة، وخمر:

    { لا يصدعون عنها ولا ينزفون }

    فهي غير خمرنا التي تصدع الرأس وتنزف العقل، ويقول القرآن عن أهل الجنة:

    { ونزعنا ما في صدورهم من غل }

    ها هنا نفوس طهرت بطريقة لا نعلمها.

    الجنة إذاً هي الأخرى غيب وليس في هذا الكلام أي إنكار للنعيم الحسي فنحن نؤمن بأن الجنة نعيم حسي ومعنوي معاً كما أن النار عذاب حسي ومعنوي ولكن ما نريد تأكيده أن تفاصيل هذا النعيم أو العذاب وكيفياته غيب.

    وأن الجنة ليست سوقاً للفاكهة والخضار ولا النار فرنا لشوي اللحم، وإن التعذيب في الآخرة ليس تجبراً من الله على عباده وإنما هو تطهير وتعريف وتقويم ورحمة.

    { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } فالأصل هو عدم العذاب.

    والله لا يعذب العارف المؤمن وإنما ينصب عذابه على الجاحد المنكر الذي فشلت معه كل وسائل الهداية والتعريف والتفهيم.

    { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون }

    سنة الله أن يذيق هؤلاء من العذاب الأصغر في الدنيا لإيقاظهم من غفلتهم ولإزعاجهم من هذا المم والسبات "لعلهم يرجعون"، فإذا لم تفلح كل الوسائل وظل المنكر على إنكاره لم يبق إلا مواجهته بالعذاب الحق لتعريفه.

    والتعريف بالحق هو عين الرحمة، ولو أن الله تركهم على عماهم وجهلهم وأهملهم لكان في حقه ظلماً، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيراً، فالعرض على النار بالنسبة لهؤلاء الجهال عناية.

    وكل أفعال الله رحمة، يرحم الجاهل بالجحيم تأديباً وتعليماً، ويرحم العارف بالجنة فضلاً وكرامة.

    { عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء } فجعل رحمته تسع كل شيء حتى العذاب.

    ثم دعونا نسأل الدكتور:
    أيكون الله أكثر عدلاً في نظره لو أنه ساوى بين الظالمين والمظلومين وبين السفاحين وضحاياهم فقدم لكل حفلة شاي في الآخرة؟ وهل العدل في نظر الدكتور أن يستوي الأبيض والأسود وللذين يستبعدون عن الله أن يعذب نقول: ألا يعذبنا الله بالفعل في دنيانا؟.

    وماذا تكون الشيخوخة والمرض والسرطان إلا العذاب بعينه.
    ومن خالق الميكروب؟! ... أليست جميعها إنذارات بأننا أمام إله يمكن أن يعذب؟
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:35 am

    الفصل السادس
    وحكاية الإسلام مع المرأة؟

    قال صديقي الدكتور: ألا توافقني أن الإسلام كان موقفه رجعياً مع المرأة؟

    وبدأ يعد على أصابعه

    حكاية تعدد الزوجات وبقاء المرأة في البيت، والحجاب والطلاق في يد الرجل، والضرب والهجر في المضاجع، وحكاية ما ملكت أيمانكم، وحكاية الرجال قوامون على النساء، ونصيب الرجل المضاعف في الميراث.

    قلت له وأنا أستجمع نفسي:
    التهم هذه المرة كثيرة، والكلام فيها يطول، ولنبدأ من البداية، من قبل الإسلام، وأظنك تعرف تماماً أن الإسلام جاء على جاهلية، والبنت التي تولد نصيبها الوأد والدفن في الرمل، والرجل يتزوج العشرة والعشرين ويُكره جواريه على البغاء ويقبض الثمن، فكان ما جاء به الإسلام من إباحة الزواج بأربع تقييداً وليس تعديداً، وكان إنقاذاً للمرأة من العار والموت والاستعباد والمذلة.

    وهل المرأة الآن في أوروبا أسعد حالاً في الانحلال الشائع هناك وتعدد العشيقات الذي أصبح واقع الأمر في أغلب الزيجات؟ أليس أكرم للمرأة أن تكون زوجة ثانية لمن تحب، لها حقوق الزوجة واحترامها من أن تكون عشيقة في السر تختلس المتعة من وراء الجدران؟

    ومع ذلك فالإسلام جعل من التعدد إباحة شبه معطلة وذلك بأن شرط شرطاً صعب التحقيق وهو العدل بين النساء.

    { وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة }
    { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم }

    فنفى قدرة العدل حتى عن الحريص فلم يبق إلا من هو أكثر من حريص كالأنبياء والأولياء ومن في دربهم، أما البقاء في البيوت فهو أمر وارد لزوجات النبي باعتبارهن مثلاً عليا.

    { وقرن في بيوتكن } وهي إشارة إلى أن الوضع الأمثل للمرأة هي أن تكون أماً وربة بيت تفرغ لبيتها ولأولادها
    ويمكن أن نتصور حال أمة نساؤها في الشوارع والمكاتب وأطفالها في دور الحضانة والملاجئ.

    أتكون أحسن حالاً أوَ أمة النساء فيها أمهات وربات بيوت والأطفال فيها يتربون في حضانة، أمهاتهم والأسرة فيها متكاملة الخدمات؟

    الرد واضح، ومع ذلك فالإسلام لم يمنع المقتضيات التي تدعو إلى خروج المرأة وعملها، وقد كانت في الإسلام فقيهات وشاعرات، وكانت النساء يخرجن في الحروب، ويخرجن للعلم.

    إنما توجهت الآية إلى نساء النبي كمثل عليا، وبين المثال والممكن والواقع درجات متعددة، وقد خرجت نساء النبي مع النبي في غزواته، وينسحب على هذا أن الخروج لمعونة الزوج في كفاح شريف هو أمر لا غبار عليه.

    أما الحجاب فهو لصالح المرأة، وقد أباح الإسلام كشف الوجه واليدين وأمر بستر ما عدا ذلك، ومعلوم أن الممنوع مرغوب وأن ستر مواطن الفتنة يزيدها جاذبية.

    وبين القبائل البدائية وبسبب العري الكامل يفتر الشوق تماماً وينتهي الفضول ونرى الرجل لا يخالط زوجته إلا مرة في الشهر وإذا حملت قاطعها سنتين.

    وعلى الشواطئ في الصيف حينما يتراكم اللحم العاري المباح للعيون يفقد الجسم العريان جاذبيته وطرافته وفتنته ويصبح أمراً عادياً لا يثير الفضول.

    ولا شك أنه من صالح المرأة أن تكون مرغوبة أكثر وألا تتحول إلى شيء عادي لا يثير، أما حق الرجل في الطلاق فيقابله حق المرأة أيضاً على الطرف الآخر، فيمكن للمرأة أن تطلب الطلاق بالمحكمة وتحصل عليه إذا أبدت المبررات الكافية.

    ويمكن للمرأة أن تشترط الاحتفاظ بعصمتها عند العقد، وبذلك يكون لها حق الرجل في الطلاق، والإسلام يعطي الزوجة حقوقاً لا تحصل عليها الزوجة في أوروبا، فالزوجة عندنا تأخذ مهراً، وعندهم تدفع دوطة، والزوجة عندنا لها حق التصرف في أملاكها، وعندهم تفقد هذا الحق بمجرد الزواج ويصبح الزوج هو القيّم على أملاكها.

    أما الضرب والهجر في المضاجع فهو معاملة المرأة الناشز فقط، أما المرأة السوية فلها عند الرجل المودة والرحمة، والضرب والهجر في المضاجع من معجزات القرآن في فهم النشوز، وهو يتفق مع أحدث ما وصل إليه علم النفس العصري في فهم المسلك المرضي للمرأة.

    وكما تعلم يقسم علم النفس هذا المسلك المرضي إلى نوعين:
    "المسلك الخضوعي" وهو ما يسمى في الاصطلاح العلمي "ماسوشزم masochism" وهو تلك الحالة المرضية التي تتلذذ فيها المرأة بأن تضرب وتعذب وتكون الطرف الخاضع.

    والنوع الثاني هو "المسلك التحكمي" وهو ما يسمى في الاصطلاح العلمي "سادزم sadism" وهو تلك الحالة المرضية التي تتلذذ فيها المرأة بأن تتحكم وتسيطر وتتجبر وتتسلط وتوقع الأذى بالغير.

    ومثل هذه المرأة لا حل لها سوى انتزاع شوكتها وكسر سلاحها التي تتحكم به، وسلاح المرأة أنوثتها وذلك بهجرها في المضجع فلا يعود لها سلاح تتحكم به.

    أما المرأة الأخرى التي لا تجد لذتها إلا في الخضوع والضرب فإن الضرب لها علاج، ومن هنا كانت كلمة القرآن { واهجروهن في المضاجع واضربوهن } اعجازاً علمياً وتلخيصاً في كلمتين لكل ما أتى به علم النفس في مجلدات عن المرأة الناشز وعلاجها.

    أما حكاية "ما ملكت أيمانكم" التي أشار إليها السائل فإنها تجرنا إلى قضية الرق في الإسلام، اتهام المستشرقين للإسلام بأنه دعا إلى الرق، والحقيقة أن الإسلام لم يدع إلى الرق بل كان الدين الوحيد الذي دعا إلى تصفية الرق.

    ولو قرأنا الإنجيل وما قاله بولس الرسول في رسائله إلى أهل افسس وما أوصى به العبيد لوجدناه يدعو العبيد دعوة صريحة إلى طاعة سادتهم كما الرب "أيها العبيد، أطيعوا سادتكم بخوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما الرب".

    ولم يأمر الإنجيل بتصفية الرق كنظام وإنما أقصى ما طالب به، كان الأمر بالمحبة وحسن المعاملة بين العبيد وسادتهم.

    وفي التوراة المتداولة كان نصيب الأحرار أسوأ من نصيب العبيد، ومن وصايا التوراة أن البلد التي تستسلم بلا حرب يكون حظ أهلها أن يساقوا رقيقاً وأسرى والتي تدافع عن نفسها بالسيف ثم تستسلم يعرض أهلها على السلاح ويقتل شيوخها وشبابها ونساؤها وأطفالها ويذبحوا تذبيحاً.

    كان الاسترقاق إذاً حقيقة ثابتة قبل مجيء الإسلام وكانت الأديان السابقة توصي بولاء العبد لسيده، فنزل القرآن ليكون أول كتاب سماوي يتكلم عن فك الرقاب وعتق الرقاب، ولم يحرم القرآن الرق بالنص والصريح، ولم يأمر بتسريح الرقيق لأن تسريحهم فجأة وبأمر قرآني في ذلك الوقت وهم مئات الآلاف بدون صناعة وبدون عمل اجتماعي وبدون توظيف يستوعبهم كان معناه كارثة اجتماعية وكان معناه خروج مئات الألوف من الشحاذين في الطرقات يستجدون الناس ويمارسون السرقة والدعارة ليجدوا اللقمة، وهو أمر أسوأ من الرق، فكان الحل القرآني هو قفل باب الرق ثم تصفية الموجود منه، وكان مصدر الرق في ذلك العصر هو استرقاق الأسرى في الحروب فأمر القرآن بأن يطلق الأسير أو تؤخذ فيه فدية وبأن لا يؤخذ الأسرى أرقاء.

    { فإما منا بعد . وإما فداء } فإما أن تمن على الأسير فتطلقه لوجه الله، وإما تأخذ فيه فدية.

    أما الرقيق الموجود بالفعل فتكون تصفيته بالتدرج وذلك بجعل فك الرقاب وعتق الرقاب كفارة الذنوب صغيرها وكبيرها وبهذا ينتهي الرق بالتدريج، وإلى أن تأتي تلك النهاية فماذا تكون معاملة السيد لما ملكت يمينه، أباح له الإسلام أن يعاشرها كزوجته.

    وهذه حكاية "ما ملكت أيمانكم" التي أشار إليها السائل ولا شك أن معاشرة المرأة الرقيق كالزوجة كان في تلك الأيام تكريماً لا إهانة، وينبغي ألا ننسى موقف الإسلام من العبد الرقيق وكيف جعل منه أخاً بعد أن كان عبداً يداس بالقدم.

    { إنما المؤمنون إخوة }
    { هو الذي خلقكم من نفس واحدة }
    { لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله }

    وقد ضرب محمد عليه الصلاة والسلام المثل حينما تبنى عبداً رقيقاً هو زيد بن حارثة فأعتقه وجعل منه ابنه، ثم زوجه من الحرة سليلة البيت الشريف زينب بنت جحش، كل هذا ليكسر هذه العنجهية والعصبية، وليجعل من تحرير العبيد موقفاً يقتدى به، وليقول بالفعل وبالمثال أن رسالته عتق الرقاب.

    أما أن الرجال قوامون على النساء فهي حقيقة في كل مكان في البلاد الإسلامية، وفي البلاد المسيحية، وفي البلاد التي لا تعرف إلهاً ولا ديناً، ففي موسكو الملحدة الحكام رجال من أيام لينين وستالين وخروشوف وبولجانين إلى اليوم، وفي فرنسا الحكام رجال، وفي لندن الحكام رجال، وفي كل مكان من الأرض الرجال هم الذين يحكمون ويشرعون ويخترعون، وجميع الأنبياء كانوا رجالاً، وجميع الفلاسفة كانوا رجالاً، حتى الملحنين "مع أن التلحين صنعة خيال لا يحتاج إلى رجال"، وكما يقول العقاد ساخراً: حتى صناعة الطهي والحياكة والموضة وهي تخصصات نسائية تفوق فيها الرجال ثم انفردوا بها.

    وهي ظواهر لا دخل للشريعة الإسلامية فيها، فهي ظواهر عامة في كل بقاع الدنيا حيث لا تحكم شريعة إسلامية ولا يحكم قرآن، إنما هي حقائق أن الرجل قوام على المرأة بحكم الطبيعة واللياقة والحاكمية التي خصه بها الخالق.

    وإذا ظهرت وزيرة أو زعيمة أو حاكمة فإنها تكون الطرافة التي تروى أخبارها والإستثناء الذي يؤكد القاعدة، والإسلام لم يفعل أكثر من أنه سجل هذه القاعدة وهذا يفسر لنا بعد ذلك لماذا أعطى القرآن الرجل ضعف النصيب في الميراث، لأنه هو الذي ينفق ولأنه هو الذي يعول، ولأنه هو الذي يعمل.

    كان موقف الإسلام من المرأة هو العدل، وكانت سيرة النبي مع نسائه هي المحبة والحدب والحنان الذي يؤثر عنه قوله "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة".

    فذكر النساء مع الطيب والعطر والصلاة وهذا غاية الإعزاز، وكان آخر ما قاله في آخر خطبة له قبل موته هو التوصية بالنساء.

    وإذا كان الله قد اختار المرأة للبيت والرجل للشارع فلأنه عهد إلى الرجل أمانة التعمير والبناء والإنشاء بينما عهد إلى المرأة أمانة أكبر وأعظم هي تنشئة الإنسان نفسه، وإنه من الأعظم لشأن المرأة أن تؤتمن على هذه الأمانة.

    فهل ظلم الإسلام النساء؟
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:37 am


    الفصل السابع
    هل الدين أفيون؟


    قال لي صاحبي الدكتور وهو يغمز بعينيه:
    وما رأيك في الذين يقولون أن الدين افيون!! وأنه يخدر الفقراء والمظلومين ليناموا على ظلمهم وفقرهم ويحلموا بالجنة والحور العين، في حين يثبت الاغنياء على غناهم باعتبار انه حق، وان الله خلق الناس درجات؟

    وما رأيك في الذين يقولون أن الدين لم ينزل من عند الله، وانما هو طلع من الارض من الظروف والدواعي الاجتماعية ليكون سلاحاً لطبقة على طبقة؟

    وهو يشير بذلك إلى الماديين وافكارهم

    قلت:
    ليس أبعد من الخطأ القائل بأن الدين أفيون، فالدين في حقيقته أعباء وتكاليف وتبعات، وليس تخفيفاً وتحللاً، وبالتالي ليس مهرباً من المسئوليات وليس أفيوناً، وديننا عمل وليس كسل

    { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم }

    ونحن نقول بالتوكل وليس التواكل، والتوكل يقتضي عندنا العزم واستفراغ الوسع وبذل غاية الطاقة والحيلة، ثم التسليم بعد ذلك لقضاء الله وحكمه.

    { فاذا عزمت فتوكل على الله } العزم أولاً ...

    والنبي يقول لمن أراد أن يترك ناقته سائبة توكلاً على حفظ الله (اعقلها وتوكل) أي ابذل وسعك أولا فثبتها في عقالها ثم توكل، والدين صحو وانتباه ويقظة ومحاسبة للنفس ومراقبة للضمير، في كل فعل وفي كل كلمة وكل خاطر، وليس هذا حال أكل الافيون.

    إنما أكل الأفيون الحقيقي، هو المادي الذي ينكر الدين هرباً من تبعاته ومسؤولياته، ويتصور أن لحظته ملكه، وأنه لاحسيب ولا رقيب ولا بعث بعد الموت، فيفعل ما يخطر على باله، وأين هذا الرجل من المتدين المسلم الذي يعتبر نفسه مسؤولاً عن سابع جار، وإذا جاع فرد في أمته أو ضربت دابة عاتب نفسه بأنه لم يقم بواجب الدين في عنقه؟

    وليس صحيحاً أن ديننا خرج من الارض، من الظروف والدواعي الاجتماعية ليكون سلاحاً لطبقة على طبقة وتثبيتاً لغنى الاغنياء وفقر الفقراء، والعكس هو الصحيح، فالاسلام جاء ثورة على الاغنياء والكانزين المال والمستغلين الظالمين، فامر صراحة بألا يكون المال دولة بين الاغنياء يحتكرونه ويتداولونه بينهم، وإنما يكون حقاً للكل.

    { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم }

    والانفاق يبدأ من زكاة إجبارية (2،5) في المائة، ثم يتصاعد اختيارياً إلى كل ما في الجيب وكل ما في اليد، فلا تبقي لنفسك إلا خبزك كفافك.

    { يسألونك ماذا ينفقون قل العفو }

    والعفو هو كل ما زاد على الكفاف والحاجة، وبهذا جمع الاسلام بين التكليف الجبري القانوني والتكليف الاختياري القائم على الضمير، وهذا أكرم للانسان من نزع أملاكه بالقهر والمصادرة، ووصل إلى الانفاق إلى ما فوق التسعين في المائة بدون ارهاق.

    ولم يأت الاسلام ليثبت ظلم الظالمين بل جاء ثورة صريحة على كل الظالمين، وجاء سيفاً وحرباً على رقاب الطواغين والمستبدين.

    أما التهمة التي يسوقها الماديون بأن الدين رجعي وطبقي بدليل الآيات:

    { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق }
    { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات }

    فنحن نرد بأن هذه الايات تنطبق على لندن وباريس وبرلين وموسكو، بمثل ما تنطبق على القاهرة ودمشق وجدة، وإذا مشينا في شوارع موسكو فسوف نجد من يسير على رجليه ومن يركب بسكليت ومن يركب عربة موسكوفتش ومن يركب عربة زيم فاخرة.

    وماذا يكون هذا إلا التفاضل في الرزق بعينه والدرجات والرتب الاقتصادية، والتفاوت بين الناس حقيقة جوهرية، ولم تستطع الشيوعية أن تلغي التفاوت، ولم يقل حتى غلاة المادية والفوضوية بالمساواة.

    والمساواة غير ممكنة فكيف نساوي بين غير متساويين؟ الناس يولدون من لحظة الميلاد غير متساوين في الذكاء والقوة والجمال والمواهب، يولدون درجات في كل شيء.

    وأقصى ما طمعت فيه المذاهب الاقتصادية هي المساواة في الفرص وليس المساواة بين الناس، أن يلقى كل واحد نفس الفرصة في التعليم والعلاج والحد الادنى للمعيشة، وهو نفس ما تحض عليه الاديان.

    أما إلغاء الدرجات وإلغاء التفاوت فهو الظلم بعينه والامر الذي ينافي الطبيعة، والطبيعة تقوم كلها على أساس التفاضل والتفاوت والتنوع في ثمار الارض وفي البهائم وفي الناس، في القطن نجد طويل التيلة وقصير التيلة، وفي الحيوان والانسان نجد الرتب والدرجات والتفاوت اكثر، هذا هو قانون الوجود كله، التفاضل.

    وحكمة هذا القانون واضحة، فلو كان جميع الناس يولدون بخلقة واحدة وقالب واحد ونسخة واحدة، لما كان هناك داع لميلادهم أصلاً، وكان يكفي ان نأتي بنسخة واحدة فتغني عن الكل، وكذلك الحال في كل شيء،
    ولانتهى الأمر إلى فقر الطبيعة وافلاسها.

    وإنما غنى الطبيعة وخصبها لا يظهر الا بالتنوع في ثمارها وغلاتها والتفاوت في الوانها واصنافها، ومع ذلك فالدين لم يسكت على هذا التفاوت بين الاغنياء والفقراء، بل أمر بتصحيح الاوضاع وجعل للفقير نصيباً من مال الغني، وقال أن هذا التفاوت فتنة وامتحان.

    { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة اتصبرون }

    سوف نرى ماذا يفعل القوي بقوته، هل ينجد بها الضعفاء أو يضرب ويقتل ويكون جباراً في الارض؟
    وسوف نرى ماذا يفعل الغني بغناه، هل يسرف ويطغى أم يعطف ويحسن؟
    وسوف نرى ماذا يفعل الفقير بفقره، هل يحسد ويحقد ويسرق ويختلس، أو يعمل ويكد ويجتهد ليرفع مستوى معيشته بالشرع والعدل؟

    وقد أمر الدين بالعدل وتصحيح الاوضاع بالمساواة بين الفرص، وهدد بعذاب الآخرة وقال أن الآخرة ستكون أيضاً درجات اكثر تفاوتاً لتصحيح ما لم يجر تصحيحه في الارض.

    { وللاخرة اكبر درجات واكبر تفضيلا }

    وللذين يتهمون الإسلام بالرجعية السياسية نقول إن الإسلام أتى بأكثر الشرائع تقدمية في نظم الحكم، احترام الفرد في الإسلام بلغ الذروة، وسبق ميثاق حقوق الإنسان وتفوق عليه، فماذا يساوي الفرد الواحد في الإسلام؟ إنه يساوي الإنسانية كلها.

    { من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا }

    لا تغني المنجزات ولا الإصلاحات المادية ولا التعمير ولا السدود ولا المصانع إذا قتل الحاكم فرداً واحداً ظلماً في سبيل هذا الإصلاح، فإنه يكون قد قتل الناس جميعاً.

    ذروة في احترام الفرد لم يصل إليها مذهب سياسي قديم أو جديد، فالفرد في الإسلام له قيمة مطلقة بينما في كل المذاهب السياسية له قيمة نسبية، والفرد في الإسلام آمن في بيته وفي أسراره "لا تجسس ولا غيبة" آمن في ماله ورزقه وملكيته وحريته.

    كل شيء حتى التحية حتى إفساح المجلس حتى الكلمة الطيبة لها مكان في القرآن، وقد نهى القرآن عن التجبر والطغيان والإنفراد بالحكم، وقال الله للنبي وهو من هو في كماله وصلاحيته:

    { وما أنت عليهم بجبار }
    { فذكر إنما أنت مذكر .. لست عليهم بمسيطر }
    { إنما المؤمنون إخوة }

    ونهى عن عبادة الحاكم وتأليه العظيم:

    { لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله }
    { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه }

    ونهى عن الغوغائية وتملق الدهماء والسوقة والجري وراء الأغلبية المضللة وقال:

    { بل أكثر الناس لا يعلمون }
    { بل أكثرهم لا يعقلون }
    { أكثر الناس لا يؤمنون }
    { إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } "يكذبون"
    { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل }

    ونهى عن العنصرية والعرقية:

    { إن أكرمكم عند الله أتقاكم }
    { هو الذي خلقكم من نفس واحدة }

    وبالمعنى العلمي كان الإسلام تركيباً جدلياً جامعاً بين مادية اليهودية وروحانية المسيحية، بين العدل الصارم الجاف الذي يقول: السن بالسن والعين بالعين، وبين المحبة والتسامح المتطرف الذي يقول: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر.

    وجاء القرآن وسطاً بين التوراة التي حرفت حتى أصبحت كتاباً مادياً ليس فيه حرف واحد عن الآخرة، وبين الإنجيل الذي مال إلى رهبانية تامة، ونادى القرآن بناموس الرحمة الجامع بين العدل والمحبة فقال بشرعية الدفاع عن النفس ولكنه فضل العفو والصفح والمغفرة.

    { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور }

    وإذا كانت الرأسمالية أطلقت للفرد حرية الكسب إلى درجة استغلال الآخرين، وإذا كانت الشيوعية سحقت هذه الحرية تماماً، فإن الإسلام قدم الحل الوسط.

    { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن }

    الفرد حر في الكسب ولكن ليس له أن يأخذ ثمرة أرباحه كلها، وإنما له فيها نصيب، وللفقير نصيب يؤخذ زكاة وإنفاقا من 2.5 في المائة إلى 90% جبراً واختياراً، وهذا النصيب ليس تصدقاً وتفضلاً وإنما هو حق الله في الربح، وبهذه المعادلة الجميلة حفظ الإسلام للفرد حريته وللفقير حقه، ولهذا أصاب القرآن كل الصواب حينما خاطب أمة الإسلام قائلاً:

    { وكذلك جعلناكم أمة وسطا }

    فقد اختار الإسلام الوسط العدل في كل شيء، وهو ليس الوسط الحسابي وإنما الوسط الجدلي أو التركيب الذي يجمع النقيضين "اليمين واليسار" ويتجاوزهما ويزيد عليهما، ولذلك ليس في الإسلام يمين ويسار وإنما فيه "صراط" الاعتدال الوسط الذي نسميه الصراط المستقيم من خارج عنه باليمين أو اليسار فقد انحرف.

    ولم يقيدنا القرآن بدستور سياسي محدد أو منهج مفصل للحكم لعلم الله بأن الظروف تتغير بما يقتضي الاجتهاد في وضع دساتير متغيرة في الأزمنة المتغيرة، وحتى يكون الباب مفتوحاً أمام المسلمين للأخذ والعطاء من المعارف المتاحة في كل عصر دون انغلاق على دستور بعينه.

    ولهذا اكتفى القرآن بهذه التوصيات السياسية العامة السالفة كخصائص للحكم الأمثل، ولم يكبلنا بنظرية وهذا سر من أسرار إعجازه وتفوقه وليس فقراً ولا نقصاً فيه، وتلك لمسة أخرى من تقديمة القرآن التي سبقت كل التقديمات.

    ونرد على القائلين بأن الدين جمود وتحجر، بأن الإسلام لم يكن أبداً دين تجمد وتحجر وإنما كان دائماً وأبداً دين نظر وفكر وتطوير وتغيير بدليل آياته الصريحة.

    { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق }
    { فلينظر الإنسان مم خلق . خلق من ماء دافق . يخرج من بين الصلب والترائب }
    { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت }

    أوامر صريحة بالنظر في خلق الإنسان وفي خلق الحيوان وفي خلق الجبال وفي طبقات الأرض وفي السماء وأفلاكها، والتشريح والفسيولوجيا والبيولوجيا وعلم الأجنة.

    أوامر صريحة بالسير في الأرض وجمع الشواهد واستنباط الأحكام والقوانين ومعرفة كيف بدأ الخلق، وهو ما نعرفه الآن بعلوم التطور.

    ولا خوف من الخطأ، فالإسلام يكافئ الذي يجتهد ويخطئ بأجر والذي يجتهد ويصيب بأجرين، وليس صحيحاً ما يقال من أننا تخلفنا بالدين وتدمر الغرب بالإلحاد، والحق أننا تخلفنا حينما هجرنا أوامر ديننا.

    وحينما كان المسلمون يأتمرون بهذه الآيات حقاً كان هناك تقدم وكانت هناك دولة من المحيط إلى الخليج وعلماء مثل ابن سينا في الطب وابن رشد في الفلسفة وابن الهيثم في الرياضيات وابن النفيس في التشريح وجابر بن حيان في الكيمياء، وكانت الدنيا تأخذ عنا علومنا، وما زالت مجمعات النجوم وأبراجها تحتفظ إلى الآن بأسمائها العربية في المعاجم الأوروبية، وما زالوا يسمون جهاز التقطير بالفرنسية imbique ومنه الفعل من كلمة أمبيق العربية imbiquer ولم يتقدم الغرب بالإلحاد بل بالعلم.

    وإنما وقع الخلط مما حدث في العصور الوسطى من طغيان الكنيسة ومحاكم التفتيش وحجرها على العلم والعلماء وما حدث من سجن غاليليو وحرق جيوردانو برونو، حينما حكمت الكنيسة وانحرف بها البابوات عن أهدافها النبيلة فكانت عنصر تأخر، فتصور النقاد السطحيون أن هذا ينسحب أيضا على الإسلام وهو خطأ، فالإسلام ليس بابوية ولا كهنوت، الله لم يقم بينه وبين المسلمين أوصياء ولا وسطاء.

    وحينما حكم الإسلا بالفعل كان عنصر تقدم كما شرحنا وكما يقول التاريخ مكذباً هذه المزاعم السطحية، وآيات القرآن الصريحة تحض على العلم وتأمر بالعلم ولا تقيم بين العلم والدين أي تناقض:

    { وقل رب زدني علما }
    { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون }
    { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم }

    جعل الله الملائكة وأولي العلم في الآية مقترنين بشرف اسمه ونسبته، وأول آية في القران وأول كلمة كانت "اقرأ" والعلماء في القرآن موعودون بأرفع الدرجات.

    { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات }

    وتتكرر كلمة العلم ومشتقاته في القرآن نحواً من ثمانمائة وخمسين مرة، فكيف يتكلم بعد هذا متكلم عن تناقض بين الدين والعلم أو حجر من الدين على العلم، والنظر في الدين وتطوير فهمه مطلوب، وتاريخ الإسلام كله حركات إحياء وتطوير، والقرآن بريء من تهمة التحجير على الناس وكل شيء في ديننا يقبل التطوير، ما عدا جوهر العقيدة وصلب الشريعة، لأن الله واحد ولن يتطور إلى اثنين أو ثلاثة، هذا أمر مطلق، وكذلك الشر شر والخير خير، لن يصبح القتل فضيلة ولا السرقة حسنة ولا الكذب حلية يتحلى بها الصالحون، وفيما عدا ذلك فالدين مفتوح للفكر والاجتهاد والإضافة والتطوير، وجوهر الإسلام عقلاني منطقي يقبل الجدل والحوار ويحض على استخدام العقل والمنطق.

    وفي أكثر من مكان وفي أكثر من صفحة في القرآن نعثر على التساؤل "أفلا يعقلون" .. " أفلا يفقهون "، وأهل الدين عندنا هم "أولو الألباب".

    { شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون }
    { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها }

    احترام العقل في لب وصميم الديانة، والإيجابية عصبها والثورة روحها، لم يكن الإسلام أبداً خانعاً ولا سلبياً.

    { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم }
    { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص }

    والجهاد بالنفس والمال والأولاد، والقتال والثبات وعدم النكوص على الأعقاب، ومواجهة اليأس والمصابة والمرابطة في صلب ديننا.

    فكيف يمكن لدين بهذه المرونة والعقلانية والعلمية والإيجابية والثورة أن يتهم بالتحجر والجمود إلا من صديق عزيز مثل الدكتور القادم من فرنسا لا يعرف من أوليات دينه شيئاً ولم يقرأ في قرآنه حرفاً؟
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:38 am

    الفصل الثامن
    الـــــــــــروح

    قال صديقي الدكتور وهو يعلم هذه المرة أن الإشكال سيكون عسيراً:
    ما دليلك على أن الإنسان له روح وأنه يبعث بعد موت وأنه ليس مجرد الجسد الذي ينتهي إلى تراب، وماذا يقول دينكم في تحضير الأرواح؟

    قلت بعد برهة تفكير:
    لاشك أن السؤال اليوم صعب والكلام عن الروح ضرب في تيه والحقائق الموجودة قليلة ولكنها مع ذلك في صفنا نحن وليست في صفكم.

    ومضيت برهة أغرقت فيها في التفكير ثم قلت مردفاً:
    فكر معي قليلاً، إن أول المؤشرات التي تساعدنا على التدليل على وجود الروح أن الإنسان ذو طبيعة مزدوجة.

    الإنسان له طبيعتان، طبيعة خارجية ظاهرة مشهودة هي جسده تتصف بكل صفات المادة، فهي قابلة للوزن والقياس متحيزة في المكان متزمنة بالزمان دائمة التغير والحركة والصيرورة من حال إلى حال ومن لحظة إلى لحظة فالجسد تتداول عليه الأحوال من صحة إلى مرض إلى سمنة إلى هزال إلى تورد إلى شحوب إلى نشاط إلى كسل إلى نوم إلى يقظة إلى جوع إلى شبع، وملحق بهذه الطبيعة الجسدية شريط من الانفعالات والعواطف والغرائز والمخاوف لا يكف لحظة عن الجريان في الدماغ.

    ولأن هذه الطبيعة والانفعالات الملحقة بها تتصف بخواص المادة نقول إن جسد الإنسان ونفسه الحيوانية هما من المادة.

    ولكن هناك طبيعة أخرى مخالفة تماماً للأولى ومغايرة لها في داخل الإنسان، طبيعة من نوع آخر تتصف بالسكون واللازمان واللامكان والديمومة، هي العقل بمعاييره الثابتة وأقيسته ومقولاته، والضمير بأحكامه، والحس الجمالي، والـ أنا التي تحمل كل تلك الصفات "من عقل وضمير وحس جمالي وحس أخلاقي".

    والـ أنا غير الجسد تماماً وغير النفس الحيوانية التي تلتهب بالجوع والشبق، الـ أنا هي الذات العميقة المطلقة وعن طريق هذه الذات والكينونة والشخوص والمثول في العالم، وبأنه هنا وبأنه كان دائماً هنا، وهو شعور ثابت ممتد لا يطرأ عليه التغير لا يسمن ولا يهزل ولا يمرض ولا يتصف بالزمان وليس فيه ماض وحاضر ومستقبل، إنما هو " آن " مستمر لا ينصرم كما ينصرم الماضي، وإنما يتمثل في شعور بالدوام، بالديمومة.

    هنا نوع آخر من الوجود لا يتصف بصفات المادة فلا هو يطرأ عليه التغير ولا هو يتحيز في المكان أو يتزمن بالزمان ولا هو يقبل الوزن والقياس، بالعكس نجد أن هذا الوجود هو الثابت الذي نقيس به المتغيرات والمطلق الذي نعرف به كل ما هو نسبي في عالم المادة.

    وأصدق ما نصف به هذا الوجود أنه روحي وأن طبيعته روحية، ولنا أن نسأل بعد ذلك، أي الطبيعتين هي الإنسان حقاً، هل الإنسان بالحقيقة هو جسده أو روحه؟ ولنعرف الجواب علينا أن نبحث أي الطبيعتين هي الحاكمة على الأخرى.

    يقول لنا الماديون أن الإنسان هو جسده، وأن الجسد هو الحاكم وأن كل ما ذكرت من عقل ومنطق وحس جمالي وحس أخلاقي وضمير، وهذه "التخريفة" التي اسمها الذات أو الـ أنا كل هذه ملحق بالجسد ثانوي عليه تابع له يأتمر بأمره ويقوم على خدمته ويتولى إشباع شهواته وأهوائه.

    هذا كلام إخواننا الماديين وهو خطأ، فالحقيقة أن الجسد تابع وليس متبوعاً مأمور وليس آمراً ألا يجوع الجسد فنرفض إمداده بالطعام لأننا قررنا أن نصوم هذا اليوم لله، ألا يتحرك بشهوة فنزجره، ألا نصحوا في الصباح فيبدأ الجسد تلقائياً في تنفيذ خطة عمل وضعها العقل وصنف بنودها بنداً بنداً من ساعة إلى ساعة؟ من التابع هنا ومن المتبوع؟

    ولحظة التضحية بالنفس حينما يضع الفدائي حزام الديناميت حول جسده ويتقدم ليحطم الدبابة ومن فيها، أين جسده هنا، أين المصلحة المادية التي يحققها بموته، ومن الذي يأمر الآخر إن الروح تقرر إعدام الجسد، في لحظة مثالية تماماً لا يمكن أن يفسرها مذهب مادي بأي مكسب مادي والجسد لا يستطيع أن يقاوم هذا الأمر، ولا يملك أي قوة لمواجهته، لا يملك إلا أن يتلاشى تماماً، وهنا يظهر أي الوجودين هو الأعلى، وأي الطبيعتين هي الإنسان حقاً.

    وعندنا اليوم أكثر من دليل على أن الجسد هو الوجود الثانوي، ما يجري الآن من حوادث البتر والاستبدال وزرع الأعضاء، وما نقرأه عن القلب الإلكتروني والكلية الصناعية وبنك الدم وبنك العيون ومخازن الإكسسوار البشري حيث يجري تركيب السيقان والأذرع والقلوب.

    ولن تكون نكتة أن يدخل العريس على عروسه سنة 2000 فيجدها تخلع طقم الأسنان والباروكة والنهود الكاوتشوك والعين الصناعية والساق الخشبية فلا يتبقى منها إلا هيكل مثل شاسيه السيارة بعد نزع الجلد والكراسي والأبواب.

    إلى هذه الدرجة يجري فك الجسم وتركيبه واستبداله دون أن يحدث شيء للشخصية لأن هذه الذراع أو تلك الساق أو ذلك الشعر أو العين أو النهد كل هذه الأشياء ليست هي الإنسان، فها هي تنقل وتستبدل وتوضع مكانها بطاريات ومسامير وقطع من الألومنيوم دون أن يحدث شيء، فالإنسان ليس هذه الأعضاء وإنما هو الروح الجالسة على عجلة القيادة لتدير هذه الماكينة التي اسمها الجسد.

    إنها الإدارة التي يمثلها مجلس إدارة من خلايا المخ، ولكنها ليست المخ، فالمخ مثله مثل خلايا الجسد يصدع بالأوامر التي تصدر إليه ويعبر عنها ولكنه في النهاية ليس أكثر من قفاز لها، قفاز تلبسه هذه اليد الخفية التي اسمها الروح وتتصرف به في العالم المادي.

    نفهم من هذه الشواهد كلها أن الإنسان له طبيعتان:

    طبيعة جوهرية حاكمة هي روحه.
    وطبيعة ثانوية زائلة هي جسده.

    وما يحدث بالموت أن الطبيعة الزائلة تلتحق بالزوال والطبيعة الخالدة تلتحق بالخلود فيلتحق الجسد بالتراب وتلتحق الروح بعالمها الباقي.

    ولعشاق الفلسفة نقدم دليلاً آخر على وجود الروح من الخاصية التي تتميز بها الحركة، فالحركة لا يمكن رصدها إلا من خارجها، لا يمكن أن تدرك الحركة وأن تتحرك معها في نفس الفلك وإنما لا بد من عتبة خارجية تقف عليها لترصدها، ولهذا تأتي عليك لحظة وأنت في مصعد متحرك لا تستطيع أن تعرف هل هو واقف أم متحرك لأنك أصبحت قطعة واحدة معه في حركته، لا تستطيع ادراك هذه الحركة إلا إذا نظرت من باب المصعد إلى الرصيف الثابت في الخارج.

    ونفس الحالة في قطار يسير بنعومة على القضبان، لا تدرك حركة مثل هذا القطار وأنت فيه إلا لحظة شروعه في الوقوف أو لحظة إطلالك من النافذة على الرصيف الثابت في الخارج، وبالمثل لا يمكنك رصد الشمس وأنت فوقها ولكن يمكنك رصدها من القمر أو الأرض، كما لا يمكنك رصد الأرض وأنت تسكن عليها وإنما تستطيع رصدها من القمر، لا تستطيع أن تحيط بحالة إلا إذا خرجت خارجها.

    ولهذا ما كنا نستطيع إدراك مرور الزمن لولا أن الجزء المدرك فينا يقف على عتبة منفصلة وخارجة عن هذا المرور الزمني المستمر " أي على عتبة الخلود "، ولو كان إدراكنا يقفز مع عقرب الثواني كل لحظة لما استطعنا أن ندرك هذه الثواني أبداً، ولا نصرم إدراكنا كما تنصرم الثواني بدون أن يلاحظ شيئاً.

    وهي نتيجة مذهلة تعني أن هناك جزءاً من وجودنا خارجاً عن إطار المرور الزمني " أي خالد " هو الذي يلاحظ الزمن من عتبة سكون ويدركه دون أن يتورط فيه ولهذا لا يكبر ولا يشيخ ولا يهرم ولا ينصرم، ويوم يسقط الجسد تراباً سوف يظل هذا الجزء على حاله حياً حياته الخاصة غير الزمنية هذا الجزء هو الروح.

    وكل منا يستطيع أن يحس بداخله هذا الوجود الروحي على صورة حضور وديمومة وشخوص وكينونة مغايرة تماما للوجود المادي المتغير المتقلب النابض مع الزمن خارجه، هذه الحالة الداخلية التي ندركها في لحظات الصحو الباطني والتي أسميتها حالة حضور، هي المفتاح الذي يقودنا إلى الوجود الروحي بداخلنا ويضع يدنا على هذا اللغز الذي اسمه الروح.

    ودليل آخر على طبيعتنا الروحية هو شعورنا الفطري بالحرية، ولو كنا أجساماً مادية ضمن إطار حياة مادية تكملنا القوانين المادية الحتمية لما كان هناك معنى لهذا الشعور الفطري بالحرية، لنا الروح إذاً تعلو على الزمن وتتخطى الموت وتتخطى الحتميات المادية.

    ماذا عن البعث إذاً؟ ... لم يعد أحد بعد الموت ليخبرنا ماذا جرى له، ولم يأت يوم البعث لنقدم دليلاً ملموساً أو شاهد عيان، وكل ما يمكن قوله في موضوع البعث أنه حقيقة دينية يرجحها العقل والعلم.

    لماذا يرجحها العقل والعلم؟
    لأن شواهد الوجود وظواهره تشير جميعها إلى أن هناك عوداً على بدء ودورة لكل شيء، بعد النهار يأتي الليل ثم يعود من جديد فيأتي النهار، والشمس تشرق ثم تغرب ثم تعود فتشرق، الصيف والخريف والشتاء والربيع ثم تعود فتتكرر الدورة من جديد فيأتي الصيف ثم الخريف ثم الشتاء ... الخ، بعد اليقظة ونوم الليل نعود فنستيقظ من جديد، وهذا يرجح أنه بعد رقود الموت هناك صحوة بعث، لأن هناك عوداً لكل شيء، والله يسمي نفسه في القرآن المبدئ المعيد.

    { كما بدأكم تعودون }
    { يبدأ الخلق ثم يعيده }

    ألا يدور كل شيء في فلك من الذرة إلى المجرة، حتى الحضارات لها دورات والتاريخ له دورات، الدليل الآخر على البعث هو النظام المحكم الذي ليس فيه بادرة خلل واحدة من أكبر المجرات حتى أصغر الذرات حتى الإلكترون الذي لا يرى نجد النظام والقانون يهيمن على كل شيء، حتى الإلكترون المتناهي في الصغر لا يستطيع أن ينتقل من فلك إلى فلك في الذرة إلا إذا أعطى أو أخذ مقداراً من الطاقة يساوي حركته، وكأنه راكب قطار لا يستطيع الوصول لأي مكان بدون تذكرة، فكيف نتصور في هذا النظام أن يهرب قاتل أو يفر ظالم من الجزاء لمجرد أنه ضلل، إن العقل يتصور أنه لابد سيلقى جزاءه حتماً، وإن هناك لابد عالماً آخر يسوى فيه الحساب، هكذا يقول العدل.

    ونحن مفطورون على تحري العدل وعلى حب العدل والبحث عن العدل ومحاولة تحقيق العدل، ومع ذلك فالعدل في الدنيا غير موجود، وكما يقول أهل الفكر إذا كان الظمأ إلى الماء يدل على وجود الماء، فلا بد أن الظمأ إلى العدل يدل على وجود العدل، فإن لم يكن موجوداً في دنيانا فلا بد أن له يوماً وساعة تنصب فيها موازينه.

    كل هذه مؤشرات تشير وترجح أن هناك بعثاً وحساباً وعالماً آخر، والمؤمن الذي يصدق القرآن في غير حاجة إلى هذه الاستدلالات لأنه آمن بقلبه وأراح نفسه من الجدل، يبقى بعد ذلك أن نسأل، وما الروح؟

    { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا }

    هي لغز ولا أحد يعلم عنها شيئاً، والعجيب أنه كلما جاء ذكر الروح في القرآن ذكرت معها كلمة من أمر ربي.

    { يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده }
    { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده }
    { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر }
    { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا }

    دائما كلمة "من أمرنا" .. "من أمره" .. "من أمر ربي" .. كلما ذكرت الروح.

    أيكون أمر الله روحاً؟ وكلمة الله روحاً؟ ألم يقل الله عن المسيح عليه السلام أنه:

    { كلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم } وأنه:
    { كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه }

    الكلمة .. الأمر .. الروح .. هل هي ألفاظ مترادفة لمعنى واحد؟

    هي مجرد إشارات، ولا أحد يعلم الحقيقة إلا العليم، يبقى بعد ذلك سؤالك عن تحضير الأرواح، وتحضير الأرواح عندنا أمر مشكوك فيه، مشكوك فيه أنه ظواهر الغرفة المظلمة سببها حضور روح فلان أو علان، ومفكر كبير مثل هنري سودر يقول: "إن تلك الظواهر مصدرها العقل الباطن للوسيط والقوى الروحية للوسيط ذاته، ولاشيء يحضر بالمرة".

    ويقول المفكرون الهنود: إن الذي يتلبس الوسيط أثناء التحضير هي أرواح سفلية تعرف بعض الأشياء عن الموتى وتستخدمها في السخرية بعقول الموجودين والضحك عليهم.

    ويقول الصوفية المسلمون إن الذي يحضر في تلك الجلسات ليس الروح ولكن القرين، وهو الجن الذي كان يصاحب الميت أثناء حياته، وهو بحكم هذه الصحبة يعرف أسراره، ولأن الجن معمر فإنه يبقى حياً بعد موت صاحبه، وهو الذي يحضر الجلسات ويفشي أسرار صاحبه ويقلد صوته وعاداته ليسخر من الموجودين على عادة الجن في عدائهم للإنسان.

    وهم يقولون: إننا إذا دققنا جرس المكتب فإن الذي يحضر هو الخادم، أما السادة فإنهم لا يتركون عالمهم ويحضرون بهذه السذاجة وبالمثل في عالم الأرواح، فالذي يحضر في الجلسات ويهرج على الموجودين هي الأرواح السفلية والجن ومن في مستواهم.

    أما الأرواح البشرية فهي في عالم آخر هو عالم البرزخ ولا يمكن استحضارها، ولكنها قد تتصل بمن تحب في الحلم أو في اليقظة إذا توفرت الظروف الملائمة.

    ومن الجلسات الكثيرة التي حضرناها ومما جمعنا من خبرة خاصة في هذا الموضوع نقول: أنه لا يوجد دليل واحد على أن ظواهر الغرفة المظلمة سببها حضور الروح المطلوبة، وربما كان رأي الصوفية المسلمين أكثر الآراء تفسيراً لما يحدث، والمسألة ما زالت قيد البحث.

    وللأسف الشعوذات في هذا الموضوع أكثر من الحقائق، والكلمة الأخيرة لم تقل بعد، لا شك أنك سوف تضحك على كلمات مثل الجن والأرواح السفلية والقرين، ولك عذرك .. فإذا كنت لا تؤمن بروحك أنت فكيف يتوقع منك أن تؤمن بجني؟

    وإذا كنت لا تؤمن بالله فكيف ينتظر منك أن تؤمن بشياطينه؟ ومع ذلك لو كنت ولدت منذ مئة سنة وجاءك رجل يحدثك عن أشعة غير منظورة تخرق الحديد، صور تنتقل في الهواء عبر المحيطات في أقل من ثانية، ورائد فضاء يمشي على تراب القمر، ألم تكن تضحك وتقهقه وتستلقي على قفاك أضعاف ما تضحك الآن، وتقول لنفسك، هذا رجل هارب من مستشفى المجاذيب ومع ذلك فيا لها من حقائق ملء السمع والبصر الآن.

    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:39 am


    الفصل التاسع
    الضميـــــر

    قال صاحبي:
    أنتم تتكلمون عن الضمير في تقديس كما لو كان شيئاً مطلقاً مع أنه أحد المصنوعات الاجتماعية، عملة نحاسية لا أكثر صكت ودمغت وسبكت في فرن التعاملات الاجتماعية وهو عندنا شيء تتغير أحكامه وضوابطه وفق المصالح الجارية والقيمة التي تفيد نقول عنها خيراً والقيمة التي تضر نقول عنها شراً ولو كانت هذه القيمة هي العفة التي تتمسكون بها كعيونكم.

    قلت له في هدوء:
    نعم .. هذا هو رأي الفلسفة المادية على ما أسمع، أن الضمير سلطة زجر وردع نبتت من الدواعي الاجتماعية، مجرد تحصيل خبرة تتفاوت بين شخص وشخص وبين عصر وعصر وبين أمة وأمة، هذا كلامكم.

    ولكن الحقيقة غير ذلك، الحقيقة أن الضمير نور وضعه الله في الفطرة ومؤشر ودليل وبوصلة نولد بها، تهدينا إلى الحقائق وكل دور الاكتساب الاجتماعى أنه يجلو مرآة هذه البوصلة ويصقل زجاجها، ولنا على ذلك براهين تؤيدنا وتشجب كلامكم.

    انظر إلى عالم الحيوان حيث لا مجتمع، ترى القطة تتبرز ثم تستدير لتغطى فضلاتها بالتراب، في أي مجتمع قططي تعلمت القطة هذا الوازع؟ وكيف ميزت بين القذارة والنظافة؟

    وأنت ترى القطة تسرق السمكة فإذا ضبطتها وضربتها على رأسها طأطأت ونكست بصرها في إحساس واضح بالذنب، وتراها تلهو مع الأطفال في البيت فتكسر فازة أثناء اللعب، فماذا يحدث إنها تجرى في فزع وتختبيء تحت الكراسى وقد أدركت أنها أخطأت، كل هذه شواهد وملامح ضمير، وليس في مملكة القطط دواع لنشأة هذه المشاعر، ولا نرى حتى مجتمعاً قططياً من الأساس.

    وتقاليد الوفاء الزوجى في الحمام، ونبل الحصان في ارتباطه بصاحبه حتى الموت، وكبرياء الأسد وترفعه عن الهجوم على فريسته من الخلف، وخجل الجمل وتوقفه عن مضاجعة أنثاه إذا وجد أن هناك عيناً ترقبه.

    ثم تلك الحادثة البليغة التي رآها جمهور المشاهدين في السيرك القومى بالقاهرة، حينما قفز الأسد على المدرب محمد الحلو من الخلف وأنشب مخالبه في كتفه وأصابه بجرج قاتل، وبقية الحادثة يرويها موظفو السيرك، كيف امتنع الأسد عن الطعام، وحبس نفسه في زنزانته لا يبرحها، وكيف نقلوه إلى حديقة الحيوان وقدموا له أنثى لتروح عنه فضربها وطردها، وظل على صيامه ورفضه للطعام ثم انقض على يده الآثمة وظل يمزقها حتى نزف ومات.

    حيوان ينتحر ندماً وتكفيراً عن جريمته، من أي مجتمع في دنيا السباع أخذ الأسد هذه التقاليد، هل في مجتمع السباع أن افتراس الإنسان جريمة تدعو إلى الانتحار؟

    نحن هنا أمام نبل وخلق وضمير لا نجده في بشر، ونحن أمام فشل كامل للتفسير الماديّ وللتصور الماديّ لحقيقة الضمير، ولا تفسير لما نراه سوى ما يقوله الدين، من أن الضمير هو نور وضعه الله في الفطرة وأن كل دور الاكتساب الاجتماعي أن يجلو صدأ النفس فتشف عن هذا النور الالهي.

    وهذا هو ما حدث بين الأسد ومدربه، المعاشرة والمحبة والمصاحبة صقلت تلك النفس الحيوانية فأيقظت ذلك القبس الرحماني، فإذا بالأسد يحزن ويندم وينتحر كمداً كالبشر، (الحلال بين والحرام بين) كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام (استفت قلبك وإن أفتاك الناس).

    لسنا في حاجة إلى كلية شريعة لنعرف الخطأ من الصواب والحق من الحلال، فقد وضع الله في قلب كل منا كلية شريعة، وميزاناً لا يخطئ، وكل ما نحن مطالبون به أن نجلو نفوسنا من غواشي المادة ومن كثافة الشهوات فنبصر ونرى ونعرف ونميز بدون عكاز "الخبرة الاجتماعية" وذلك بنور الله الذي اسمه الضمير.

    { يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً } 29 الأنفال

    يقول الله في الحديث القدسي للصوفي محمد بن عبد الجبار: "كيف تيأس منّي وفي قلبك سفيري ومتحدثي"

    الضمير حقيقة ثابتة والقيم الأخلاقية الأساسية هي بالمثل ثابتة فقتل البريء لن يصبح يوماً ما فضيلة وكذا السرقة والكذب وإيذاء الآخرين والفحشاء والفجور والبذاءة والغلظة والقسوة والنفاق والخيانة كل هذه نقائض خلقية، وسوف تظل هكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    وكذلك سوف تظل المحبة والرحمة والصدق والحلم والعفو والإحسان فضائل، ولن تتحول إلى جرائم إلا إذا فسدت السماوات والأرض وساد الجنون وانتهى العقل.
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:40 am

    الفصل العاشر
    هل مناسك الحج وثنية؟

    قال صاحبي وهو يفرك يديه ارتياحاً ويبتسم ابتسامة خبيثة تبدي نواجذه وقد لمعت عيناه بذلك البريق الذي يبدو في وجه الملاكم حينما يتأهب لتوجيه ضربة قاضية:
    ألا تلاحظ معي أن مناسك الحج عندكم هي وثنية صريحة، ذلك البناء الحجري الذي تسمونه الكعبة وتتمسحون به وتطوفون حوله، ورجم الشيطان والهرولة بين الصفا والمروة، وتقبيل الحجر الأسود، وحكاية السبع طوفات والسبع رجمات والسبع هرولات وهي بقايا من خرافة الأرقام الطلسمية في الشعوذات القديمة، وثوب الإحرام الذي تلبسونه على اللحم، لا تؤاخذني إذا كنت أجرحك بهذه الصراحة ولكن لا حياء في العلم.

    وراح ينفث دخان سيجارته ببطء ويراقبني من وراء نظارته.

    قلت في هدوء :
    ألا تلاحظ معي أنت أيضاً أن في قوانين المادة التي درستها أن الأصغر يطوف حول الأكبر، الإلكترون في الذرة يدور حول النواة، والقمر حول الأرض، والأرض حول الشمس، والشمس حول المجرة، والمجرة حول مجرة أكبر، إلى أن نصل إلى "الأكبر مطلقاً" وهو الله، ألا نقول "الله أكبر" .. أي أكبر من كل شيء؟

    وأنت الآن تطوف حوله ضمن مجموعتك الشمسية رغم أنفك ولا تملك إلا أن تطوف فلا شيء ثابت في الكون إلا الله هو الصمد الصامد الساكن والكل في حركة حوله، وهذا هو قانون الأصغر والأكبر الذي تعلمته في الفيزياء.

    أما نحن فنطوف باختيارنا حول بيت الله، وهو أول بيت اتخذه الإنسان لعبادة الله، فأصبح من ذلك التاريخ السحيق رمزاً وبيتاً لله.

    ألا تطوفون أنتم حول رجل محنط في الكرملين تعظمونه وتقولون أنه أفاد البشرية، ولو عرفتم لشكسبير قبراً لتسابقتم إلى زيارته بأكثر مما نتسابق إلى زيارة محمد عليه الصلاة والسلام؟

    ألا تضعون باقة ورد على نصب حجري وتقولون أنه يرمز للجندي المجهول؟ فلماذا تلوموننا لأننا نلقي حجراً على نصب رمزي نقول أنه يرمز إلى الشيطان؟

    ألا تعيش في هرولة من ميلادك إلى موتك ثم بعد موتك يبدأ ابنك الهرولة من جديد وهي نفس الرحلة الرمزية من الصفا "الصفاء أو الخواء أو الفراغ رمز للعدم" إلى المروة وهي النبع الذي يرمز إلى الحياة والوجود.

    من العدم إلى الوجود ثم من الوجود إلى العدم، أليست هذه هي الحركة البندولية لكل المخلوقات، ألا ترى في مناسك الحج تلخيصاً رمزياً عميقاً لكل هذه الأسرار.

    ورقم 7 الذي تسخر منه، دعني أسألك ما السر في أن درجات السلم الموسيقي 7 صول لا سي دو ري مي فا ثم بعد المقام السابع يأتي جواب الصول من جديد، فلا نجد 8 وإنما نعود إلى سبع درجات أخرى وهلم جرا، وكذلك درجات الطيف الضوئي 7 وكذلك تدور الإلكترونات حول نواة الذرة في نطاقات 7 والجنين لا يكتمل إلا في الشهر 7 وإذا ولد قبل ذلك يموت وأيام الأسبوع عندنا وعند جميع أفراد الجنس البشري 7 وضعوها كذلك دون أن يجلسوا ويتفقوا.

    ألا يدل ذلك على شيء، أم أن كل هذه العلوم هي الأخرى شعوذات طلسمية؟

    ألا تقبل خطاباً من حبيبتك، هل أنت وثني؟ فلماذا تلومنا إذا قبلنا ذلك الحجر الأسود الذي حمله نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في ثوبه وقبله، لا وثنية في ذلك بالمرة لأننا لا نتجه بمناسك العبادة نحو الحجارة ذاتها، وإنما نحو المعاني العميقة والرموز والذكريات.

    إن مناسك الحج هي عدة مناسبات لتحريك الفكر وبعث المشاعر وإثارة التقوى في القلب، أما ثوب الإحرام الذي نلبسه على اللحم ونشترط ألا يكون مخيطاً فهو رمز للخروج من زينة الدنيا وللتجرد التام أمام حضرة الخالق، تماماً كما نأتي إلى الدنيا في اللفة ونخرج من الدنيا في لفة وندخل القبر في لفة، ألا تشترطون أنتم لبس البدل الرسمية لمقابلة الملك؟ ونحن نقول إنه لا شيء يليق بجلالة الله إلا التجرد وخلع جميع الزينة لأنه أعظم من جميع الملوك ولأنه لا يصلح في الوقفة أمامه إلا التواضع التام والتجرد، ولأن هذا الثوب البسيط الذي يلبسه الغني والفقير والمهراجا والمليونير أمام الله فيه معنى آخر للأخوة رغم تفاوت المراتب والثروات.

    والحج عندنا اجتماع عظيم ومؤتمر سنوي، ومثله صلاة الجمعة وهي المؤتمر الصغير الذي نلتقي فيه كل أسبوع، هي كلها معان جميلة لمن يفكر ويتأمل، وهي أبعد ما تكون عن الوثنية.

    ولو وقفت معي في عرفة بين عدة ملايين يقولون الله أكبر ويتلون القرآن بأكثر من عشرين لغة ويهتفون لبيك اللهم لبيك ويبكون ويذوبون شوقاً وحباً، لبكيت أنت أيضاً دون أن تدري وتذوب في الجمع الغفير من الخلق، وأحسست بذلك الفناء والخشوع أمام الإله العظيم مالك الملك الذي بيده مقاليد كل شيء.
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:42 am

    الفصل الحادي عشر
    لماذا لا يكون القرآن من تأليف محمد؟

    قال صاحبي وهو ينتقى عباراته:
    لا أريد أن أجرحك فأنا أعلم اعتزازك بالقرآن وأنا معك في أنه كتاب قيم، ولكن لماذا لا يكون من تأليف محمد؟ إن رجلاً في عظمة محمد لا يُستغرب منه أن يضع كتاباً في عظمة القرآن، سوف يكون هذا منطقياً أكثر من أن نقول إن الله أنزله فإنا لم نر الله ينزل من السماء شيئاً ونحن في عصر من الصعب أن نقنع فيه إنساناً بأن هناك ملاكاً أسمه جبريل نزل بن السماء بكتاب ليوحى به إلى أحد.

    قلت في هدوء:
    بل نحن في عصر يسهل فيه تماماً أن نصدق بأن هناك ملائكة لا تُرى، وبأن الحقائق يمكن أن تلقى إلى الإنسان وحياً، فهم يتكلمون اليوم عن أطباق طائرة تنزل على الأرض، كواكب بعيدة وأشعة غير منظورة تقتل، وأمواج لاسلكية تحدد الأهداف وتضربها، وصور تتحول إلى ذبذبات في الهواء ثم تستقبل في أجهزة صغيرة كعلب التبغ، وكاميرات تصور الأشباح، وعيون ترى في الظلام، ورجل يمشى على القمر، وسفينة تنزل على المريخ، لم يعد غريباً أن نسمع أن الله أرسل ملكاً خفياً من ملائكته، وأنه ألقى بوحيه على أحد أنبيائه، لقد أصبح وجود جبريل اليوم حقيقة من الدرجة الثانية، وأقل عجباً وغرابة مما نرى ونسمع كل يوم.

    أما لماذا لا نقول إن القرآن من تأليف محمد عليه الصلاة والسلام، فلأن القران بشكله وعباراته وحروفه وما احتوى عليه من علوم ومعارف وأسرار وجمال بلاغي ودقة لغوية هو مما لا يدخل في قدرة بشر أن يؤلفه، فإذا أضفنا الى ذلك أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ولم يتعلم في مدرسة ولم يختلط بحضارة، ولم يبرح شبه الجزيرة العربية، فإن احتمال الشك واحتمال إلقاء هذا السؤال يغدو مستحيلاً، والله يتحدى المنكرين ممن زعموا أن القرآن مؤلف.

    { قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله } استعينوا بالجن والملائكة وعباقرة الإنس وأتوا بسورة من مثله ومازال التحدي قائماً ولم يأت أحد بشيء إلا ببعض عبارات مسجوعة ساذجة سموها "سورة من مثله" أتى بها أناس يعتقدون أن القرآن مجرد كلام مسجوع، ولكن سورة من مثله أي بها نفس الإعجاز البلاغي والعلمي.

    وإذا نظرنا إلى القرآن في حياد وموضوعية فسوف نستبعد تماما أن يكون محمد عليه الصلاة والسلام هو مؤلفه.

    أولاً: لأنه لو كان مؤلفه لبث فيه همومه وأشجانه، ونحن نراه في عام واحد يفقد زوجه خديجة وعمه أبا طالب ولا سند له في الحياة غيرهما، وفجيعته فيهما لا تقدر، ومع ذلك لا يأتي لهما ذكر في القرآن ولا بكلمة، وكذلك يموت ابنه إبراهيم ويبكيه، ولا يلقى لذلك خبر في القرآن، القرآن معزول تماماً عن الذات المحمدية.

    بل إن الآية لتأتى مناقضة لما يفعله محمد وما يفكر فيه، وأحياناً تنزل الآية معاتبة له كما حدث بصدد الأعمى الذي انصرف عنه النبي إلى أشراف قريش:

    { عبس وتولى . أن جاءه الأعمى . وما يدريك لعله يزكى . أو يذكر فتنفعه الذكرى } 1- 4 عبس

    وأحياناً تنزل الآية فتنقض عملاً من أعمال النبي:

    { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض . تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم . لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } 67- 68 الأنفال

    وأحياناً يأمر القرآن محمد بأن يقول لأتباعه ما لا يمكن أن يقوله لو أنه كان يؤلف الكلام تأليفاً:

    { قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم } 9 الأحقاف

    لا يوجد نبي يتطوع من تلقاء نفسه ليقول لأتباعه لا أدرى ما يفعل بي ولا بكم، لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً، ولا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، فإن هذا يؤدى إلى أن ينفض عنه أتباعه.

    وهذا ما حدث فقد اتخذ اليهود هذه الآية عذراً ليقولوا، ما نفع هذا النبي الذي لا يدري ماذا يفعل به ولا بنا، هذا رجل لا جدوى فيه، مثل هذه الآيات ما كان يمكن أن يؤلفها النبي لو كان يضع القرآن من عند نفسه.

    ثانياً: لو نظرنا بعد ذلك في العبارة القرآنية لوجدنا أنها جديدة منفردة في رصفها وبنائها ومعمارها ليس إلا شبيه فيما سبق من أدب العرب ولا شبيه فيما أتى لاحقاً بعد ذلك، حتى لتكاد اللغة تنقسم إلى شعر ونثر وقرآن، فنحن أمام كلام هو نسيج وحده لا هو بالنثر ولا بالشعر، فموسيقى الشعر تأتى من الوزن ومن التقفية فنسمع الشاعر ابن الأبرص الأسدى ينشد: (أقفر من أهله عبيد فليس يبدى ولا يعيد).

    هنا الموسيقى تخرج من التشطير ومن التقفية على الدال الممدودة، فهي موسيقى خارجية، أما موسيقى القرآن فهي موسيقى داخلية

    { والضحى . والليل إذا سجى } 1- 2 الضحى

    لا تشطير ولا تقفية في هذه العبارة البسيطة، ولكن الموسيقى تقطر منها، من أين؟ إنها موسيقى داخلية.

    اسمع هذه الآيات:

    { رب إني وهن العظم منّي واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا } 4 مريم

    وهذه الآيات:

    { طه . ما انزلنا عليك القران لتشقى . إلا تذكرة لمن يخشى . تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى .
    الرحمن على العرش استوى } 1-5 طه

    فإذا تناولت الآيات تهديداً تحول بناء العبارة ونحتها إلى جلاميد صخر وأصبح للإيقاع صلصلة نحاسية تصخ السمع:

    { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر . تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر } 19-20 القمر

    كلمات مثل "صرصرا" .. "ومنقعر" كل كلمة كأنها جلمود صخر، فإذا جاءت الآية لتروى خبراً هائلاً كما في نهاية الطوفان تقاصرت العبارات وكأنها إشارات "مورس " التلغرافية، وأصبحت الآية كلها كأنها تلغراف مقتضب له وقع هائل:

    { وقيل يأرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعى وغيض الماء وقضى الأمر } 44 هود

    هذا التلون في نحت الألفاظ وفي بناء العبارة وفي إيقاع الكلمات مع المعاني والمشاعر، يبلغ في القرآن الذروة ويأتي دائما منساباً لا تكلف فيه ولا تعمل.

    ثالثاً: إذا مضينا في التحليل أكثر فإنا سنكتشف الدقة البالغة والإحكام المذهل، كل حرف في مكانه لا تقديم ولا تأخير، لا تستطيع أن تضع كلمة مكان كلمة، ولا حرفاً مكان حرف، كل لفظة تم اختيارها من مليون لفظة بميزان دقيق، وسنرى أن هذه الدقة البالغة لا مثيل لها في التأليف، انظر إلى هذه الكلمة "لواقح" في الآية:

    { وأرسلنا الرياح لواقح } 22 الحجر

    وكانوا يفسرونها في الماضي على المعنى المجازي بمعنى أن الرياح تثير السحب فتسقط المطر فيلقح الأرض بمعنى "يخصبها" ثم عرفنا اليوم أن الرياح تسوق السحب إيحابية التكهرب وتلقى بها في أحضان السحب سالبة التكهرب فيحدث البرق والرعد والمطر، وهي بهذا المعنى "لواقح " أيضاً، ونعرف الآن أيضاً أن الرياح تنقل حبوب اللقاح من زهرة إلى زهرة فتلقحها بالمعنى الحرفي، ونعرف أخيراً أن المطر لا يسقط إلا بتلقيح قطيرات الماء بذرات الغبار فتنمو القطيرات حول هذه الأنوية من الغبار وتسقط مطراً. فها نحن امام كلمة صادقة مجازياً وحرفياً وعلمياً، ثم هي بعد ذلك جميلة فنياً وأدبياً وذات إيقاع حلو، هنا نرى منتهى الدقة في انتقاء اللفظة ونحتها، وفي آية أخرى:

    { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون } 88 البقرة

    كلمة "تدلوا " .. مع أن الحاكم الذي تلقى إليه الأموال في الأعلى وليس في الأسفل، لا، إن القران يصحح الوضع، فاليد التي تأخذ الرشوة هي اليد السفلى ولو كانت يد الحاكم، ومن هنا جاءته كلمة "تدلوا بها إلى الحكام" لتعبر في بلاغة لامثيل الا عن دناءة المرتشى وسفله.

    وفي آية الجهاد:

    { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثَّاقلتم إلى الأرض } 38 التوبة

    القرآن يستعمل كلمة "اثَّاقلتم" بدلا من تثاقلتم، يدمج الحروف إدماجا، ويلصقها إلصاقاً ليعبر عن جبن الجبناء الذين يلتصقون بالأرض "ويتربسون " فيها من الخوف إذا دعوا إلى القتال، فجاءت حروف الكلمة بالمثل "متربسة".

    وفي آية قتل الأولاد من الفقر نراها جاءت على صورتين:

    { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم } 151 الأ نعام
    { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم } 31 الإسر اء

    والفرق بين الآيتين لم يأت اعتباطاً، وإنما جاء لأسباب محسوبة، فحينما يكون القتل من إملاق فإن معناه أن الأهل فقراء في الحاضر، فيقول: نحن "نرزقكم" وإياهم، وحينما يكون قتل الأولاد خشية إملاق فإن معناه أن الفقر هو احتمال في المستقبل ولذا تشير الآية إلى الأبناء فتقول نحن "نرزقهم" وإياكم.

    مثل هذه الفروق لا يمكن أن تخطر على بال مؤلف، وفي حالات التقديم والتأخير نجد دائما أنه لحكمة، نجد أن السارق مقدم على السارقة في آية السرقة، في حين أن الزانية مقدمة على الزانى في آية الزنى، وذلك لسبب واضح، أن الرجل أكثر إيجابية في السرقة، أما في الزنى فالمرأة هي التي تأخذ المبادرة، من لحظة وقوفها أمام المرآة تضع "البارفان" ولمسات "التواليت" وتختار الفستان أعلى الركبة فإنها تنصب الفخاخ للرجل الموعود.

    { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } 2 النور
    { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } 38 المائدة

    وبالمثل تقديم السمع على البصر في أكثر من 16 مكاناً:

    { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } 78 النحل
    { وجعلنا لكم سمعاً وأبصاراً وأفئدة } 26 الأحقاف
    { أسمع بهم وأبصر } 38 مريم
    { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } 36 الإسراء
    { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم } 22 فصلت
    { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } 11 الشورى

    دائماً السمع أولاً، ولا شك أن السمع أكثر إرهافاً وكمالاً من البصر، إننا نسمع الجن ولا نراه، والأنبياء سمعوا الله وكلموه ولم يره أحد.

    وقد تلقى محمد القرآن سمعاً، والأم تميز بكاء ابنها في الزحام ولا تستطيع أن تميز وجهه، والسمع يصاحب الإنسان أثناء النوم فيظل صاحياً في حين تنام عيناه، ومن حاول تشريح جهاز السمع يعلم أنه أعظم دقة وإرهافا من جهاز البصر.

    وبالمثل تقديم المال على الولد:

    { يوم لاينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم } 88 - 89 الشعراء
    { إنما أموالكم وأولادكم فتنة . والله عنده أجر عظيم } 15 التغابن
    { لن تغنى عنكم أموالكم ولا أولادهم من الله شيئا . وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } 16 آل عمران
    { أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين . نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون } 55 - 56 المؤمنون
    { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ألله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } 55 التو بة
    { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته } 20 الحديد

    والأمثلة على هذا التقديم كثيرة والسر أن المال عند أكثر الناس أعز من الولد، ثم الدقة والخفاء واللطف في الإعراب، انظر إلى هذه الآية:

    { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } 9 الحجرات

    مرة عوملت الطائفتان على أنهما جمع "اقتتلوا" ومرة على أنهما مثنى "فأصلحوا بينهما" والسر لطيف، فالطائفتان في القتال تلتحمان وتصبحان جمعاً من الأذرع المتضاربة، في حين أنهما في الصلح تتفصلان إلى اثنين، وترسل كل واحدة عنها مندوباً، ومن هنا قال: وإن طائفتان من المؤمنين "اقتتلوا" فأصلحوا "بينهما".

    حتى حروف الجر والوصل والعطف تأتى وتمتنع في القرآن لأسباب عميقة، وبحساب دقيق محكم، مثلا تأتي كلمة "يسألونك" في أماكن عديدة من القرآن:

    { يسألونك ماذا ينفقون قل العفو } 219 البقرة
    { يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} 85 الإسراء
    { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } 189 البقرة

    دائما الجواب بكلمة "قل" .. ولكنها حين تأتى عن الجبال:

    { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا } 105 طه

    هنا لأول مرة جاءت "فقل" بدلا من "قل"، والسبب أن كل الأسئلة السابقة كانت قد سئلت بالفعل، أما سؤال الجبال فلم يكن قد سئل بعد، لأنه من أسرار القيامة، وكأنما يقول الله: فإذا سألوك عن الجبال "فقل"، فجاءت الفاء زاندة لسبب محسوب. أما في الآية:

    { وإذا سألك عبادى عنى فإني قريب أجيب دعوة الداع } 186 البقرة

    هنا لا ترد كلمة "قل" لأن السؤال عن ذات الله، والله أولى بالإجابة عن نفسه، كذلك الضمير أنا ونحن، يتكلم الله بضمير الجمع حيثما يكون التعبير عن "فعل" إلهي تشترك فيه جميع الصفات الإلهية كالخلق، وإنزال القرآن وحفظه:

    { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } 9 الحجر
    { نحن خلقناكم فلولا تصدقون } 57 الواقعة
    { إنا أنزلناه في ليلة القدر } 1 القدر
    { أفرأيتم ما تمنون . أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون } 58 - 59 الواقعة
    { نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالم تبديلا } 28 الإنسان

    "ونحن" هنا تعبر عن جمعية الصفات الإلهية وهي تعمل في إبداع عظيم مثل عملية الخلق، أما إذا جاءت الآية في مقام مخاطبة بين الله وعبده كما في موقف المكالمة مع موسى، تأتي الآية بضمير المفرد

    { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكرى } 14 طه

    الله يقول"أنا" لأن الحضرة هنا حضرة ذات، وتنبيهاً منه سبحانه على مسألة التوحيد والوحدانية في العبادة، ونجد مثل هذه الدقة الشديدة في آيتين متشابهتين عن الصبر تفترق الواحدة عن الأخرى في حرف اللام، يقول لقمان لولده:

    { واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور } 17 لقمان

    وفي آية أخرى عن الصبر نقرأ:

    { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } 43 الشورى

    الصبر في الأولى "من عزم الأمور" وفي الثانية "لمن عزم الامور"، وسر التوكيد باللام في الثانية أنه صبر مضاعف، لأنه صبر على عدوان بشري لك فيه غريم، وأنت مطالب فيه بالصبر والمغفرة وهو أمر اشد على النفس من الصبر على القضاء الإلهي الذي لا حيلة فيه.

    ونفس هذه الملاحظة عن "اللام" نجدها مرة أخرى في آيتين عن إنزال المطر وإنبات الزرع:

    { أفرأيتم الماء الذي تشربون . أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون . لو نشاء جعلناه أجاجا } 68 - 70الواقعة

    وفي آية ثانية:

    { أفرأيتم ما تحرثون . أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون . لو نشاء لجعلناه حطاما } 63 - 65 الواقعة

    في الآية الأولى "جعلناه" أجاجاً وفي الآية الثانية "لجعلناه" حطاماً، واللام جاءت في الثانية لضرورة التوكيد، لأن هناك من سوف يدعي بأنه يستطيع أن يتلف الزرع كما يتلفه الخالق، ويجعله حطاماً. في حين لن يستطيع أحد من البشر أن يدعى أن في إمكانه أن ينزل من سحب السماء مطراً مالحاً فلا حاجة إلى توكيد باللام.

    ونفس هذه الدقة نجدها في وصف إبراهيم لربه في القرآن بأنه

    { الذي يميتنى ثم يحيين } 81 الشعراء
    { والذي هو يطعمنى ويسقين } 79 الشعراء

    فجاء بكلمة "هو" حينما تكلم عن "الإطعام" ليؤكد الفعل الإلهي، لأنه سوف يدعي الكل أنهم يطعمونه، ويسمقونه، على حين لن يدعى أحد بأنه يميته ومجييه كما يميته الله ويحييه.

    ونجد هذه الدقة أيضا حينما يخاطب القرآن المسلمين قائلاً:

    { اذكروني أذكركم } 152 البقرة

    ويخاطب اليهود قائلاً:

    { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } 40 البقرة

    فاليهود ماديون لا يذكرون الله إلا في النعمة والفاندة والمصلحة والمسلمون أكثر شفافية ويفهمون معنى أن يذكر الله لذاته لا لمصلحة، وبنفس المعنى يقول الله للخاصة من أولى الألباب:

    { اتقون يا أولى الألباب } 197 البقرة

    ويقول للعوام:

    { اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة } 24 البقرة

    لأن العوام لا يردعهم إلا النار، أما الخاصة فهم يعلمون أن الله أقوى من كل نار، وأنه يستطيع أن يجعل النار برداً وسلاماً إن شاء، ونجد مثل هذه الدقة البالغة في اختيار اللفظ في كلام إبليس حينما أقسم على ربه قائلاً:

    { فبعزتك لأغوينهم أجمعين } 82 ص

    أقسم إبليس بالعزة الإلهية ولم يقسم بغيرها، فأثبت بذلك علمه وذكاءه، لأن هذه العزة الإلهية هي التي اقتضت استغناء الله عن خلقه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولن يضروا الله شيئاً، فهو العزيز عن خلقه.

    ويقول الله في حديثه القدسى:

    { هؤلاء في النار ولا أبالى، وهؤلاء في الجنة ولا أبالى} وهذا مقتضى العزة الإلهية.

    وهي الثغرة الوحيدة التي يدخل منها إبليس، فهو بها يستطيع أن يضل ويوسوس، لأن الله لن يقهر أحداً اختار الكفر على الإيمان، ولهذا قال "فبعزتك" لأغوينهم أجمعين.

    { لأقعدن لهم صراطك المستقيم . ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } 16-17 الأعراف

    ذكر الجهات الأربع، ولم يذكر من فوقهم ولا من تحتهم. لأن "فوق" الربوبية، "وتحت" تواضع العبودية، ومن لزم مكانه الأدنى من ربه الأعلى لن يستطيع الشيطان أن يدخل عليه.

    ثم ذكر إبليس أن مقعده المفضل للإغواء سوف يكون الصراط المستقيم، على طريق الخير وعلى سجادة الصلاة، لأن تارك الصلاة والسكير والعربيد ليس في حاجة إلى إبليس ليضله، فقد تكفلت نفسه بإضلاله، إنه إنسان خرب، وإبليس لص ذكي، لا يحب أن يضيع وقته بأن يحوم حول البيوت الخربة.

    متال آخر من أمثلة الدقة القرآنية نجده في سبق المغفرة على العذاب والرحمة على الغضب في القرآن، فالله في "الفاتحة" هو الرحمن الرحيم قبل أن يكون مالك يوم الدين، وهو دائماً يوصف بأنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، تأتي المغفرة أولا قبل العذاب إلا في مكانين في آية قطع اليد

    { يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء} 40 المائدة

    لأن العقوبة بقطع اليد عذاب دنيوي، تليه مغفرة أخروية، وفي كلام عيسى يوم القيامة عن المشركين الذين عبدوه من دون الله، فيقول لربه:

    { إن تعذبهم فإنهم عبادك . وإن تغفر الم فإنك أنت العزيز الحكيم }

    فلا يقول فإنك أنت الغفور الرحيم تأدباً، ويذكر ألم العذاب قبل المغفرة، لعظم الإثم الذي وقعوا فيه، ونجد هذه الدقة القرآنية مرة أخرى في تناول القرآن للزمن، فالمستقبل يأتي ذكره على لسان الخالق على أنه ماض، فأحداث يوم القيامة ترد كلها على أنها ماض:

    { ونفخ في الصور } 99 الكهف
    { وانشقت السماء فهي يومئذ واهية } 16 الحاقة
    { وبرزت الجحيم للغاوين } 91 الشعراء
    { وعرضوا على ربك صفا } 48 الكهف

    والسر في ذلك أن كل الأحداث حاضرها ومستقبلها قد حدثت في علم الله وليس عند الله زمن يحجب عنه المستقبل، فهو سبحانه فوق الزمان والمكان، ولذا نقرأ العبارة القرآنية أحياناً فنجد أنها تتحدث عن زمانين مختلفين، وتبدو في ظاهرها متناقضة مثل:

    { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } 1 النحل

    فالأمر قد أتى وحدث في الماضي، لكن الله يخاطب الناس بألا يستعجلوه كما لو كان مستقبلاً لم يحدث بعد، والسر كما شرحنا أنه حدث في علم الله، لكنه لم يحدث بعد في علم الناس، ولا تناقض، وإنما دقة وإحكام، وخفاء واستسرار، وصدق في المعاني العميقة.

    هذه بعض الأمثلة للدقة البالغة والنحت المحكم في بناء العبارة القرآنية وفي اختيار الألفاظ واستخدام الحروف لا زيادة ولا نقص، ولا تقديم ولا تأخير، إلا بحساب وميزان، ولا نعرف لذلك مثيلاً في تأليف أو كتاب مؤلف، ولا نجده إلا في القرآن.
    أما لمحات العلم في القرآن وعجائب الآيات الكونية التي أتت بالأسرار والخفايا التي لم تكتشف إلا في عصرنا، والتي لم يعرفها محمد ولا عصره فهي موضوع آخر يطول، وله جلسة أخرى.
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:43 am

    الفصل الحادي عشر
    لماذا لا يكون القرآن من تأليف محمد؟

    قال صاحبي وهو ينتقى عباراته:
    لا أريد أن أجرحك فأنا أعلم اعتزازك بالقرآن وأنا معك في أنه كتاب قيم، ولكن لماذا لا يكون من تأليف محمد؟ إن رجلاً في عظمة محمد لا يُستغرب منه أن يضع كتاباً في عظمة القرآن، سوف يكون هذا منطقياً أكثر من أن نقول إن الله أنزله فإنا لم نر الله ينزل من السماء شيئاً ونحن في عصر من الصعب أن نقنع فيه إنساناً بأن هناك ملاكاً أسمه جبريل نزل بن السماء بكتاب ليوحى به إلى أحد.

    قلت في هدوء:
    بل نحن في عصر يسهل فيه تماماً أن نصدق بأن هناك ملائكة لا تُرى، وبأن الحقائق يمكن أن تلقى إلى الإنسان وحياً، فهم يتكلمون اليوم عن أطباق طائرة تنزل على الأرض، كواكب بعيدة وأشعة غير منظورة تقتل، وأمواج لاسلكية تحدد الأهداف وتضربها، وصور تتحول إلى ذبذبات في الهواء ثم تستقبل في أجهزة صغيرة كعلب التبغ، وكاميرات تصور الأشباح، وعيون ترى في الظلام، ورجل يمشى على القمر، وسفينة تنزل على المريخ، لم يعد غريباً أن نسمع أن الله أرسل ملكاً خفياً من ملائكته، وأنه ألقى بوحيه على أحد أنبيائه، لقد أصبح وجود جبريل اليوم حقيقة من الدرجة الثانية، وأقل عجباً وغرابة مما نرى ونسمع كل يوم.

    أما لماذا لا نقول إن القرآن من تأليف محمد عليه الصلاة والسلام، فلأن القران بشكله وعباراته وحروفه وما احتوى عليه من علوم ومعارف وأسرار وجمال بلاغي ودقة لغوية هو مما لا يدخل في قدرة بشر أن يؤلفه، فإذا أضفنا الى ذلك أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ولم يتعلم في مدرسة ولم يختلط بحضارة، ولم يبرح شبه الجزيرة العربية، فإن احتمال الشك واحتمال إلقاء هذا السؤال يغدو مستحيلاً، والله يتحدى المنكرين ممن زعموا أن القرآن مؤلف.

    { قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله } استعينوا بالجن والملائكة وعباقرة الإنس وأتوا بسورة من مثله ومازال التحدي قائماً ولم يأت أحد بشيء إلا ببعض عبارات مسجوعة ساذجة سموها "سورة من مثله" أتى بها أناس يعتقدون أن القرآن مجرد كلام مسجوع، ولكن سورة من مثله أي بها نفس الإعجاز البلاغي والعلمي.

    وإذا نظرنا إلى القرآن في حياد وموضوعية فسوف نستبعد تماما أن يكون محمد عليه الصلاة والسلام هو مؤلفه.

    أولاً: لأنه لو كان مؤلفه لبث فيه همومه وأشجانه، ونحن نراه في عام واحد يفقد زوجه خديجة وعمه أبا طالب ولا سند له في الحياة غيرهما، وفجيعته فيهما لا تقدر، ومع ذلك لا يأتي لهما ذكر في القرآن ولا بكلمة، وكذلك يموت ابنه إبراهيم ويبكيه، ولا يلقى لذلك خبر في القرآن، القرآن معزول تماماً عن الذات المحمدية.

    بل إن الآية لتأتى مناقضة لما يفعله محمد وما يفكر فيه، وأحياناً تنزل الآية معاتبة له كما حدث بصدد الأعمى الذي انصرف عنه النبي إلى أشراف قريش:

    { عبس وتولى . أن جاءه الأعمى . وما يدريك لعله يزكى . أو يذكر فتنفعه الذكرى } 1- 4 عبس

    وأحياناً تنزل الآية فتنقض عملاً من أعمال النبي:

    { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض . تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم . لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } 67- 68 الأنفال

    وأحياناً يأمر القرآن محمد بأن يقول لأتباعه ما لا يمكن أن يقوله لو أنه كان يؤلف الكلام تأليفاً:

    { قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم } 9 الأحقاف

    لا يوجد نبي يتطوع من تلقاء نفسه ليقول لأتباعه لا أدرى ما يفعل بي ولا بكم، لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً، ولا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، فإن هذا يؤدى إلى أن ينفض عنه أتباعه.

    وهذا ما حدث فقد اتخذ اليهود هذه الآية عذراً ليقولوا، ما نفع هذا النبي الذي لا يدري ماذا يفعل به ولا بنا، هذا رجل لا جدوى فيه، مثل هذه الآيات ما كان يمكن أن يؤلفها النبي لو كان يضع القرآن من عند نفسه.

    ثانياً: لو نظرنا بعد ذلك في العبارة القرآنية لوجدنا أنها جديدة منفردة في رصفها وبنائها ومعمارها ليس إلا شبيه فيما سبق من أدب العرب ولا شبيه فيما أتى لاحقاً بعد ذلك، حتى لتكاد اللغة تنقسم إلى شعر ونثر وقرآن، فنحن أمام كلام هو نسيج وحده لا هو بالنثر ولا بالشعر، فموسيقى الشعر تأتى من الوزن ومن التقفية فنسمع الشاعر ابن الأبرص الأسدى ينشد: (أقفر من أهله عبيد فليس يبدى ولا يعيد).

    هنا الموسيقى تخرج من التشطير ومن التقفية على الدال الممدودة، فهي موسيقى خارجية، أما موسيقى القرآن فهي موسيقى داخلية

    { والضحى . والليل إذا سجى } 1- 2 الضحى

    لا تشطير ولا تقفية في هذه العبارة البسيطة، ولكن الموسيقى تقطر منها، من أين؟ إنها موسيقى داخلية.

    اسمع هذه الآيات:

    { رب إني وهن العظم منّي واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا } 4 مريم

    وهذه الآيات:

    { طه . ما انزلنا عليك القران لتشقى . إلا تذكرة لمن يخشى . تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى .
    الرحمن على العرش استوى } 1-5 طه

    فإذا تناولت الآيات تهديداً تحول بناء العبارة ونحتها إلى جلاميد صخر وأصبح للإيقاع صلصلة نحاسية تصخ السمع:

    { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر . تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر } 19-20 القمر

    كلمات مثل "صرصرا" .. "ومنقعر" كل كلمة كأنها جلمود صخر، فإذا جاءت الآية لتروى خبراً هائلاً كما في نهاية الطوفان تقاصرت العبارات وكأنها إشارات "مورس " التلغرافية، وأصبحت الآية كلها كأنها تلغراف مقتضب له وقع هائل:

    { وقيل يأرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعى وغيض الماء وقضى الأمر } 44 هود

    هذا التلون في نحت الألفاظ وفي بناء العبارة وفي إيقاع الكلمات مع المعاني والمشاعر، يبلغ في القرآن الذروة ويأتي دائما منساباً لا تكلف فيه ولا تعمل.

    ثالثاً: إذا مضينا في التحليل أكثر فإنا سنكتشف الدقة البالغة والإحكام المذهل، كل حرف في مكانه لا تقديم ولا تأخير، لا تستطيع أن تضع كلمة مكان كلمة، ولا حرفاً مكان حرف، كل لفظة تم اختيارها من مليون لفظة بميزان دقيق، وسنرى أن هذه الدقة البالغة لا مثيل لها في التأليف، انظر إلى هذه الكلمة "لواقح" في الآية:

    { وأرسلنا الرياح لواقح } 22 الحجر

    وكانوا يفسرونها في الماضي على المعنى المجازي بمعنى أن الرياح تثير السحب فتسقط المطر فيلقح الأرض بمعنى "يخصبها" ثم عرفنا اليوم أن الرياح تسوق السحب إيحابية التكهرب وتلقى بها في أحضان السحب سالبة التكهرب فيحدث البرق والرعد والمطر، وهي بهذا المعنى "لواقح " أيضاً، ونعرف الآن أيضاً أن الرياح تنقل حبوب اللقاح من زهرة إلى زهرة فتلقحها بالمعنى الحرفي، ونعرف أخيراً أن المطر لا يسقط إلا بتلقيح قطيرات الماء بذرات الغبار فتنمو القطيرات حول هذه الأنوية من الغبار وتسقط مطراً. فها نحن امام كلمة صادقة مجازياً وحرفياً وعلمياً، ثم هي بعد ذلك جميلة فنياً وأدبياً وذات إيقاع حلو، هنا نرى منتهى الدقة في انتقاء اللفظة ونحتها، وفي آية أخرى:

    { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون } 88 البقرة

    كلمة "تدلوا " .. مع أن الحاكم الذي تلقى إليه الأموال في الأعلى وليس في الأسفل، لا، إن القران يصحح الوضع، فاليد التي تأخذ الرشوة هي اليد السفلى ولو كانت يد الحاكم، ومن هنا جاءته كلمة "تدلوا بها إلى الحكام" لتعبر في بلاغة لامثيل الا عن دناءة المرتشى وسفله.

    وفي آية الجهاد:

    { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثَّاقلتم إلى الأرض } 38 التوبة

    القرآن يستعمل كلمة "اثَّاقلتم" بدلا من تثاقلتم، يدمج الحروف إدماجا، ويلصقها إلصاقاً ليعبر عن جبن الجبناء الذين يلتصقون بالأرض "ويتربسون " فيها من الخوف إذا دعوا إلى القتال، فجاءت حروف الكلمة بالمثل "متربسة".

    وفي آية قتل الأولاد من الفقر نراها جاءت على صورتين:

    { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم } 151 الأ نعام
    { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم } 31 الإسر اء

    والفرق بين الآيتين لم يأت اعتباطاً، وإنما جاء لأسباب محسوبة، فحينما يكون القتل من إملاق فإن معناه أن الأهل فقراء في الحاضر، فيقول: نحن "نرزقكم" وإياهم، وحينما يكون قتل الأولاد خشية إملاق فإن معناه أن الفقر هو احتمال في المستقبل ولذا تشير الآية إلى الأبناء فتقول نحن "نرزقهم" وإياكم.

    مثل هذه الفروق لا يمكن أن تخطر على بال مؤلف، وفي حالات التقديم والتأخير نجد دائما أنه لحكمة، نجد أن السارق مقدم على السارقة في آية السرقة، في حين أن الزانية مقدمة على الزانى في آية الزنى، وذلك لسبب واضح، أن الرجل أكثر إيجابية في السرقة، أما في الزنى فالمرأة هي التي تأخذ المبادرة، من لحظة وقوفها أمام المرآة تضع "البارفان" ولمسات "التواليت" وتختار الفستان أعلى الركبة فإنها تنصب الفخاخ للرجل الموعود.

    { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } 2 النور
    { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } 38 المائدة

    وبالمثل تقديم السمع على البصر في أكثر من 16 مكاناً:

    { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } 78 النحل
    { وجعلنا لكم سمعاً وأبصاراً وأفئدة } 26 الأحقاف
    { أسمع بهم وأبصر } 38 مريم
    { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } 36 الإسراء
    { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم } 22 فصلت
    { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } 11 الشورى

    دائماً السمع أولاً، ولا شك أن السمع أكثر إرهافاً وكمالاً من البصر، إننا نسمع الجن ولا نراه، والأنبياء سمعوا الله وكلموه ولم يره أحد.

    وقد تلقى محمد القرآن سمعاً، والأم تميز بكاء ابنها في الزحام ولا تستطيع أن تميز وجهه، والسمع يصاحب الإنسان أثناء النوم فيظل صاحياً في حين تنام عيناه، ومن حاول تشريح جهاز السمع يعلم أنه أعظم دقة وإرهافا من جهاز البصر.

    وبالمثل تقديم المال على الولد:

    { يوم لاينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم } 88 - 89 الشعراء
    { إنما أموالكم وأولادكم فتنة . والله عنده أجر عظيم } 15 التغابن
    { لن تغنى عنكم أموالكم ولا أولادهم من الله شيئا . وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } 16 آل عمران
    { أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين . نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون } 55 - 56 المؤمنون
    { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ألله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } 55 التو بة
    { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته } 20 الحديد

    والأمثلة على هذا التقديم كثيرة والسر أن المال عند أكثر الناس أعز من الولد، ثم الدقة والخفاء واللطف في الإعراب، انظر إلى هذه الآية:

    { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } 9 الحجرات

    مرة عوملت الطائفتان على أنهما جمع "اقتتلوا" ومرة على أنهما مثنى "فأصلحوا بينهما" والسر لطيف، فالطائفتان في القتال تلتحمان وتصبحان جمعاً من الأذرع المتضاربة، في حين أنهما في الصلح تتفصلان إلى اثنين، وترسل كل واحدة عنها مندوباً، ومن هنا قال: وإن طائفتان من المؤمنين "اقتتلوا" فأصلحوا "بينهما".

    حتى حروف الجر والوصل والعطف تأتى وتمتنع في القرآن لأسباب عميقة، وبحساب دقيق محكم، مثلا تأتي كلمة "يسألونك" في أماكن عديدة من القرآن:

    { يسألونك ماذا ينفقون قل العفو } 219 البقرة
    { يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} 85 الإسراء
    { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } 189 البقرة

    دائما الجواب بكلمة "قل" .. ولكنها حين تأتى عن الجبال:

    { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا } 105 طه

    هنا لأول مرة جاءت "فقل" بدلا من "قل"، والسبب أن كل الأسئلة السابقة كانت قد سئلت بالفعل، أما سؤال الجبال فلم يكن قد سئل بعد، لأنه من أسرار القيامة، وكأنما يقول الله: فإذا سألوك عن الجبال "فقل"، فجاءت الفاء زاندة لسبب محسوب. أما في الآية:

    { وإذا سألك عبادى عنى فإني قريب أجيب دعوة الداع } 186 البقرة

    هنا لا ترد كلمة "قل" لأن السؤال عن ذات الله، والله أولى بالإجابة عن نفسه، كذلك الضمير أنا ونحن، يتكلم الله بضمير الجمع حيثما يكون التعبير عن "فعل" إلهي تشترك فيه جميع الصفات الإلهية كالخلق، وإنزال القرآن وحفظه:

    { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } 9 الحجر
    { نحن خلقناكم فلولا تصدقون } 57 الواقعة
    { إنا أنزلناه في ليلة القدر } 1 القدر
    { أفرأيتم ما تمنون . أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون } 58 - 59 الواقعة
    { نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالم تبديلا } 28 الإنسان

    "ونحن" هنا تعبر عن جمعية الصفات الإلهية وهي تعمل في إبداع عظيم مثل عملية الخلق، أما إذا جاءت الآية في مقام مخاطبة بين الله وعبده كما في موقف المكالمة مع موسى، تأتي الآية بضمير المفرد

    { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكرى } 14 طه

    الله يقول"أنا" لأن الحضرة هنا حضرة ذات، وتنبيهاً منه سبحانه على مسألة التوحيد والوحدانية في العبادة، ونجد مثل هذه الدقة الشديدة في آيتين متشابهتين عن الصبر تفترق الواحدة عن الأخرى في حرف اللام، يقول لقمان لولده:

    { واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور } 17 لقمان

    وفي آية أخرى عن الصبر نقرأ:

    { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } 43 الشورى

    الصبر في الأولى "من عزم الأمور" وفي الثانية "لمن عزم الامور"، وسر التوكيد باللام في الثانية أنه صبر مضاعف، لأنه صبر على عدوان بشري لك فيه غريم، وأنت مطالب فيه بالصبر والمغفرة وهو أمر اشد على النفس من الصبر على القضاء الإلهي الذي لا حيلة فيه.

    ونفس هذه الملاحظة عن "اللام" نجدها مرة أخرى في آيتين عن إنزال المطر وإنبات الزرع:

    { أفرأيتم الماء الذي تشربون . أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون . لو نشاء جعلناه أجاجا } 68 - 70الواقعة

    وفي آية ثانية:

    { أفرأيتم ما تحرثون . أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون . لو نشاء لجعلناه حطاما } 63 - 65 الواقعة

    في الآية الأولى "جعلناه" أجاجاً وفي الآية الثانية "لجعلناه" حطاماً، واللام جاءت في الثانية لضرورة التوكيد، لأن هناك من سوف يدعي بأنه يستطيع أن يتلف الزرع كما يتلفه الخالق، ويجعله حطاماً. في حين لن يستطيع أحد من البشر أن يدعى أن في إمكانه أن ينزل من سحب السماء مطراً مالحاً فلا حاجة إلى توكيد باللام.

    ونفس هذه الدقة نجدها في وصف إبراهيم لربه في القرآن بأنه

    { الذي يميتنى ثم يحيين } 81 الشعراء
    { والذي هو يطعمنى ويسقين } 79 الشعراء

    فجاء بكلمة "هو" حينما تكلم عن "الإطعام" ليؤكد الفعل الإلهي، لأنه سوف يدعي الكل أنهم يطعمونه، ويسمقونه، على حين لن يدعى أحد بأنه يميته ومجييه كما يميته الله ويحييه.

    ونجد هذه الدقة أيضا حينما يخاطب القرآن المسلمين قائلاً:

    { اذكروني أذكركم } 152 البقرة

    ويخاطب اليهود قائلاً:

    { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } 40 البقرة

    فاليهود ماديون لا يذكرون الله إلا في النعمة والفاندة والمصلحة والمسلمون أكثر شفافية ويفهمون معنى أن يذكر الله لذاته لا لمصلحة، وبنفس المعنى يقول الله للخاصة من أولى الألباب:

    { اتقون يا أولى الألباب } 197 البقرة

    ويقول للعوام:

    { اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة } 24 البقرة

    لأن العوام لا يردعهم إلا النار، أما الخاصة فهم يعلمون أن الله أقوى من كل نار، وأنه يستطيع أن يجعل النار برداً وسلاماً إن شاء، ونجد مثل هذه الدقة البالغة في اختيار اللفظ في كلام إبليس حينما أقسم على ربه قائلاً:

    { فبعزتك لأغوينهم أجمعين } 82 ص

    أقسم إبليس بالعزة الإلهية ولم يقسم بغيرها، فأثبت بذلك علمه وذكاءه، لأن هذه العزة الإلهية هي التي اقتضت استغناء الله عن خلقه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولن يضروا الله شيئاً، فهو العزيز عن خلقه.

    ويقول الله في حديثه القدسى:

    { هؤلاء في النار ولا أبالى، وهؤلاء في الجنة ولا أبالى} وهذا مقتضى العزة الإلهية.

    وهي الثغرة الوحيدة التي يدخل منها إبليس، فهو بها يستطيع أن يضل ويوسوس، لأن الله لن يقهر أحداً اختار الكفر على الإيمان، ولهذا قال "فبعزتك" لأغوينهم أجمعين.

    { لأقعدن لهم صراطك المستقيم . ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } 16-17 الأعراف

    ذكر الجهات الأربع، ولم يذكر من فوقهم ولا من تحتهم. لأن "فوق" الربوبية، "وتحت" تواضع العبودية، ومن لزم مكانه الأدنى من ربه الأعلى لن يستطيع الشيطان أن يدخل عليه.

    ثم ذكر إبليس أن مقعده المفضل للإغواء سوف يكون الصراط المستقيم، على طريق الخير وعلى سجادة الصلاة، لأن تارك الصلاة والسكير والعربيد ليس في حاجة إلى إبليس ليضله، فقد تكفلت نفسه بإضلاله، إنه إنسان خرب، وإبليس لص ذكي، لا يحب أن يضيع وقته بأن يحوم حول البيوت الخربة.

    متال آخر من أمثلة الدقة القرآنية نجده في سبق المغفرة على العذاب والرحمة على الغضب في القرآن، فالله في "الفاتحة" هو الرحمن الرحيم قبل أن يكون مالك يوم الدين، وهو دائماً يوصف بأنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، تأتي المغفرة أولا قبل العذاب إلا في مكانين في آية قطع اليد

    { يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء} 40 المائدة

    لأن العقوبة بقطع اليد عذاب دنيوي، تليه مغفرة أخروية، وفي كلام عيسى يوم القيامة عن المشركين الذين عبدوه من دون الله، فيقول لربه:

    { إن تعذبهم فإنهم عبادك . وإن تغفر الم فإنك أنت العزيز الحكيم }

    فلا يقول فإنك أنت الغفور الرحيم تأدباً، ويذكر ألم العذاب قبل المغفرة، لعظم الإثم الذي وقعوا فيه، ونجد هذه الدقة القرآنية مرة أخرى في تناول القرآن للزمن، فالمستقبل يأتي ذكره على لسان الخالق على أنه ماض، فأحداث يوم القيامة ترد كلها على أنها ماض:

    { ونفخ في الصور } 99 الكهف
    { وانشقت السماء فهي يومئذ واهية } 16 الحاقة
    { وبرزت الجحيم للغاوين } 91 الشعراء
    { وعرضوا على ربك صفا } 48 الكهف

    والسر في ذلك أن كل الأحداث حاضرها ومستقبلها قد حدثت في علم الله وليس عند الله زمن يحجب عنه المستقبل، فهو سبحانه فوق الزمان والمكان، ولذا نقرأ العبارة القرآنية أحياناً فنجد أنها تتحدث عن زمانين مختلفين، وتبدو في ظاهرها متناقضة مثل:

    { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } 1 النحل

    فالأمر قد أتى وحدث في الماضي، لكن الله يخاطب الناس بألا يستعجلوه كما لو كان مستقبلاً لم يحدث بعد، والسر كما شرحنا أنه حدث في علم الله، لكنه لم يحدث بعد في علم الناس، ولا تناقض، وإنما دقة وإحكام، وخفاء واستسرار، وصدق في المعاني العميقة.

    هذه بعض الأمثلة للدقة البالغة والنحت المحكم في بناء العبارة القرآنية وفي اختيار الألفاظ واستخدام الحروف لا زيادة ولا نقص، ولا تقديم ولا تأخير، إلا بحساب وميزان، ولا نعرف لذلك مثيلاً في تأليف أو كتاب مؤلف، ولا نجده إلا في القرآن.
    أما لمحات العلم في القرآن وعجائب الآيات الكونية التي أتت بالأسرار والخفايا التي لم تكتشف إلا في عصرنا، والتي لم يعرفها محمد ولا عصره فهي موضوع آخر يطول، وله جلسة أخرى.
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:44 am


    الفصل الثاني عشر
    القرآن لا يمكن أن يكون مؤلفاً

    قلت لصديقي:
    ربما كان حديث اليوم عن لمحات العلم في القرآن أكثر إثارة لعقلك العلمي من جلستنا السابقة، فما كان الفلك الحديث ولا علوم الذرّة ولا علوم البيولوجيا والتشريح معروفة حينما نزلت الآيات الكونية في القرآن منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة لتتكلم عن السماوات والأرض والنجوم والكواكب، وخلق الجنين وتكوين الإنسان بما يتفق مع أحداث العلوم التي جاء بها عصرنا.

    ولم يتعرض القرآن لهذه الموضوعات بتفصيل الكتاب العلمي المتخصص، لأنه جاء في المقام الأول كتاب عقيدة ومنهج وتشريع.

    ولو أنه تعرض لتلك الموضوعات بتفصيل ووضوح لصدم العرب بما لا يفهمونه، ولهذا لجأ إلى أسلوب الإشارة واللمحة والومضة لتفسرها علوم المستقبل وكشوفه بعد ذلك بمئات السنين، وتظهر للناس جيلاً بعد جيل كآيات ومعجزات على صدق نزول القرآن من الله الحق.

    { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } 53 فصلت

    لأنهم لم يكتفوا بشهادة الله على كتابه، فأصبح من الضروري أن نريهم ذلك بالآيات الكاشفة، هكذا يقول الله في كتابه، وما زال القرآن يكشف لنا يوماً بعد يوم مزيداً من تلك الآيات العجيبة، وحول كروية الأرض جاءت هذه الآيات الصريحة التي تستخدم لفظ التكوير لتصف انزلاق الليل والنهار كنصفي كرة:

    { يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ } 5 الزمر

    ثم الآية التي تصف دحو الأرض.

    { وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } 30 النازعات

    ودحا هي الكلمة الوحيدة في القاموس التي تعني البسط والتكوير معاً، والأرض كما هو معلوم مبسوطة في الظاهر ومكورة في الحقيقة، بل هي أشبه بالدحية "البيضة" في تكويرها، ثم نقرأ إشارة أخرى صريحة عن أن الجبال تسبح في الفضاء، وبالتالي فالأرض كلها تسبح بجبالها حيث هي والجبال كتلة واحدة:

    { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } 88 النمل

    فالجبال التي تبدو جامدة ساكنة هي في الواقع سابحة في الفضاء، وتشبيه الجبال بالسحب فيه لمحة أخرى عن التكوين الهش للمادة، التي نعرف الآن أنها مؤلفة من ذرّات، كما أن السحب مؤلفة من قطيرات. ثم الكلام عن تواقت الليل والنهار بدون أن يسبق أحدهما الآخر من مبدأ الخلق إلى نهايته.

    { لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ } 40 يـس

    إشارة أخرى إلى كروية الأرض، حيث بدأ الليل والنهار معاً وفي وقت واحد منذ بدء الخليقة كنصفي كرة، ولو كانت الأرض مسطحة لتعاقب النهار والليل الواحد بعد الآخر بالضرورة.

    ثم تأتي القيامة والأرض في ليل ونهار في وقت واحد كما كانت في البدء.

    { حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ } 24 يونس

    وفي قوله تعالى ليلاً أو نهاراً، تأكيد لهذا التواقت الذي لا تفسير له إلا أن نصف الأرض محجوب عن الشمس ومظلم، والآخر مواجه للشمس ومضيء بحكم كونها كروية، ولو كانت مسطحة لكان لها في كل وقت وجه واحد، ولما صح أن نقول { وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ } 40 يـس

    ثم تعدد المشارق والمغارب في القرآن فالله يُوصَف

    { بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ } 40 المعارج
    { رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ } 17 الرحمن

    ولو كانت الأرض مسطحة لكان هناك مشرق واحد ومغرب واحد، يقول الإنسان لشيطانه يوم القيامة:

    { يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ } 38 الزخرف

    ولا تكون المسافة على الأرض أبعد ما تكون بين مشرقين إلا إذا كانت الأرض كروية. ثم الكلام عن السماء بأن فيها مسارات ومجالات وطرقاً:

    { وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ } 7 الذاريات، والحبك هي المسارات
    { وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ } 11 الطارق، أي أنها ترجع كل ما يرتفع فيها إلى الأرض، ترجع بخار الماء مطراً، وترجع الأجسام بالجاذبية الأرضية، وترجع الأمواج اللاسلكية بانعكاسها من طبقة الأيونوسفير، كما ترجع الأشعة الحرارية تحت الحمراء معكوسة إلى الأرض بنفس الطريقة فتدفئها في الليل، وكما تعكس السماء ما ينقذف إليها من الأرض كذلك تمتص وتعكس وتشتت ما ينقذف إليها من العالم الخارجي، وبذلك تحمي الأرض من قذائف الأشعة الكونية المميتة، والأشعة فوق البنفسجية القاتلة، فهي تتصرف كأنها سقف.

    { وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا } 32 الأنبياء
    { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } 47 الذاريات

    وهو ما يعرف الآن باسم تمدد الكون المطرد، وكان مثقال الذرة يعرف في تلك الأيام بأنه أصغر مثقال، وكانت الذرة توصف بأنها جوهر فرد لا ينقسم، فجاء القرآن ليقول بمثاقيل أصغر تنقسم إليها الذرة، وكان أول كتاب يذكر شيئاً أصغر من الذرة.

    { لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ } 3 سبأ

    كل هذه لمحات كاشفة قاطعة عن حقائق مذهلة مثل كروية الأرض، وطبيعة السماء والذرة، وهي حقائق لم تكن تخطر على بال عاقل أو مجنون في ذلك العصر البائد الذي نزل فيه القرآن، ثم بصيرة القرآن في تكوين الإنسان وكلامه عن النطفة المنوية وانفرادها بتحديد جنس المولود.

    {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى } 45 - 46 النجم

    وهي حقيقة بيولوجية لم تُعرف إلاّ هذا الزمان، ونحن نقول الآن إن رأس الحيوان المنوي هو وحده الذي يحتوي على عوامل تحديد الجنس Sex Determination Factor.

    وتسوية البنان بما فيه من رسوم البصمات التي أوردها الله في مجال التحدي عن البعث والتجسيد.

    { أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ . بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ } 3 - 4 القيامة

    بل سوف نجسد حتى ذلك البنان ونسويه كما كان، وفي ذلك لفتة إلى الإعجاز الملحوظ في تسوية البنان بحيث لا يتشابه فيه اثنان، وأوهن البيوت في القرآن هو بيت العنكبوت، لم يقل الله خيط العنكبوت بل قال بيت العنكبوت، وخيط العنكبوت كما هو معلوم أقوى من مثيله من الصلب أربع مرات، إنما الوهن في البيت لا في الخيط، حيث يكون البيت أسوأ ملجأ لمن يحتمي فيه، فهو مصيدة لمن يقع فيه من الزوار الغرباء، وهو مقتل حتى لأهله، فالعنكبوت الأنثى تأكل زوجها بعد التلقيح، وتأكل أولادها عند الفقس، والأولاد يأكل بعضهم بعض.

    إن بيت العنكبوت هو أبلغ مثال يضرب عن سوء الملجأ وسوء المصير، وهكذا حال من يلجأ لغير الله، وهنا بلاغة الآية.

    { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } 41 العنكبوت

    وجاءت خاتمة الآية عبارة، (لو كانوا يعلمون)، إشارة إلى أنه علم لن يظهر إلا متأخراً، ومعلوم أن هذه الأسرار البيولوجية لم تظهر إلا متأخرة، كذلك نجد في سورة الكهف.

    { وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } 25 سورة الكهف

    ونعرف الآن أن ثلاثمائة سنة بالتقويم الشمسي تساوي ثلاثمائة وتسعاً بالتقويم القمري باليوم والدقيقة والثانية، وفي سورة مريم يحكي الله تبارك وتعالى عن مريم وكيف جاءها المخاض فأوت إلى جذع النخلة وهي تتمنى الموت، فناداها المنادي أن تهز بجذع النخلة وتأكل ما يتساقط من رطب جنى.

    { فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا . فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا . وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا . فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا } 23-26 مريم

    ولمـاذا الرطـب؟!!
    إن أحدث بحث علمي عن الرطب يقول: إن فيه مادة قابضة للرحم تساعد على الولادة، وتساعد على منع النزيف بعد الولادة، مثل مادة Oxytocin، وأن فيه مادة ملينة، ومعلوم طبياً أن الملينات النباتية تفيد في تسهيل وتأمين عملية الولادة بتنظيفها للقولون.

    إن الحكمة العلمية لوصف الرطب وتوقيت تناول الرطب مع مخاض الولادة فيه دقة علمية واضحة، هذه الأمثلة من الصدق العلمي والصدق المجازي والصدق الحرفي هو ما أشار إليه الله سبحانه واصفاً القرآن بأنه { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ } 42 سورة فصلت
    وبأنه { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } 82 النساء

    اختلافاً بين الآيات وبين بعضها بمعنى تناقضها، واختلافاً عن الحقائق الثابتة التي سوف تكشفها العلوم، وكلا الاختلافين نجده دائماً في الكتب المؤلفة، ولهذا يحرص المؤلف على أن يضيف أو يحذف أو يعدل كلما أصدر طبعة جديدة من كتبه، ونرى النظريات تتلو بعضها البعض مكذبة بعضها البعض، ونرى المؤلف مهما راعى الدقة يقع في التناقض، وهي عيوب لا نجدها في القرآن.

    وهو بعد ذلك معجزة، لأنه يخبرك عن ماض لم يؤرخ ويتنبأ بمستقبل لم يأت، وقد صدقت نبوءات القرآن المتعددة عن انتصار الروم بعد هزيمتهم.

    { غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ َ} 2-4 الروم

    و"بضع" في اللغة هي ما بين ثلاث وتسع، وقد جاء انتصار الروم بعد سنين.

    وعن انتصار بدر {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} 45 القمر

    وعن رؤيا دخول مكة { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } 27 الفتح

    وما زال في القرآن نبوءات تتحقق أمام أعيننا، فهذا إبراهيم يدعو ربه

    { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } 37 إبراهيم

    لقد دعا بالرزق لهذا الوادي الجديب، ثم جاء وعد الله لأهل مكة بالرخاء والغنى حينما أمرهم بمنع المشركين من زيارة البيت فخافوا البوار
    الاقتصادي والكساد، "وكان أهل مكة يعتمدون في رواجهم على حج البيت" فقال ليطمئنهم { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ } 28 التوبة

    وهو وعد نراه الآن يتحقق أمامنا في البترول الذي يتدفق من الصحراء بلا حساب وترتفع أسعاره في جنون يوماً بعد يوم، ثم في كنوز اليورانيوم التي تخفيها تلك الصحاري بما يضمن لها الرخاء إلى نهاية الزمان.

    ثم نرى القرآن يحدثنا عن الغيب المطلسم في أسرار الجن والملائكة مما لم يكشف إلاّ لقلة من المخصوصين من أهل التصوف، فإذا رأى هؤلاء فهم لا يرون إلا ما يوافق كلمة القرآن، وإذا طالعوا لا يطالعون إلا ما يطابق أسراره.

    ثم هو يقدم لنا الكلمة الأخيرة في السياسة والأخلاق، ونظم الحكم والحرب والسلم، والاقتصاد والمجتمع، والزواج والمعاشرة، ويشرع لنا من محكم الشرائع ما يسبق به ميثاق حقوق الإنسان، كل ذلك في أسلوب منفرد وعبارة شامخة وبنيان جمالي وبلاغي هو نسيج وحده في تاريخ اللغة.

    سألوا ابن عربي عن سر إعجاز القرآن فأجاب بكلمة واحدة هي "الصدق المطلق"، فكلمات القرآن صادقة صدقاً مطلقاً، في حين أقصى ما يستطيعه مؤلف هو أن يصل إلى صدق نسبي، وأقصى ما يطمع فيه كاتب هو أن يكون صادقاً حسب رؤيته، ومساحة الرؤية دائماً محدودة ومتغيرة من عصر إلى عصر، كل واحد منا يحيط بجانب من الحقيقة وتفوته جوانب، ينظر من زاوية وتفوته زوايا، وما يصل إليه من صدق دائماً صدق نسبي، أما صاحب العلم المحيط والبصر الشامل فهو الله وحده، وهو وحده القادر على الصدق المطلق، ولهذا نقول على القرآن إنه من عند الله، لأنه أصاب الصدق المطلق في كل شيء.

    سألوا محمداً عليه الصلاة والسلام عن القرآن فقال:
    "فيه نبأ ما قبلكم، وفصل ما بينكم، وخبر ما بعدكم، وهو الفصل ليس بالهزل، وهو الذكر الحكيم، وهو حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو الذي لا تلتبس به الألسن، ولا تزيغ به العقول، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه".

    عن انفجار شمسنا ونهاية الحياة على الأرض وقيام القيامة يقول ربنا في سورة الرحمن الآيات

    { فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ . فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ . فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ . فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ . يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ } 37-44 الرحمن

    وتأتينا علوم الفلك الآن وبعد ألف وأربعمائة سنة من نزول القرآن، بأن هذه نهاية النجوم التي تملأ السماء بألوانها المبهرة، بل ويطلق الفلكيون على بعض هذه النجوم المنفجرة اسم Rosetta أي وردة.

    من أي مصدر جاءت هذه النبوءات للرسول منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، إلا أن تكون من رب الكون نفسه، ويستطيع أي قارئ أن يرى هذه العجائب على الانترنت موقع NASA باب Astronomical picture of the day بعنوان Cats eye وهذا كلامهم وليس كلامنا، وهذا هو كتابنا يا صديقــي ولهذه الصفات مجتمعة لا يمكن أن يكون مؤلفاً.

    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:45 am

    الفصل الثالث عشر
    شــــــكوك

    قال صاحبي:
    - تقول إن القرآن لا يتناقض مع نفسه فما بالك بهذه الآية: { فمن شاء فليؤمن ومن شاءفليكفر } 39 الكهف
    والآية الأخرى التي تنقضها: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } 30 الإنسان
    ثم نجد القرآن يقول عن حساب المذنبين إنهم سوف يسألون: { ستكتب شهادتهم ويسألون } 19 الزخرف
    { وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون } 44 الزخرف
    ومرة أخرى يقول: { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } 78 القصص
    وأنهم سوف يعرفون بسيماهم: { فيؤخذ بالنواصى والأقدام } 41 الرحمن
    ومرة يقول إنه لا احد سوف يشد وثاق المجرم: { ولا يوثق وثاقه أحد } 26 الفجر
    بمعنى أن كل واحد سوف يتكفل بتعذيب نفسه { كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } 14 الإسراء
    ومرة يقول: { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه } 32 الحاقة

    قلت له:
    هذه ليست تناقضات، ولنفكر فيها معاً، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، آية صريحة تشير إلى حرية العبد واختياره، ولكن هذه الحرية لم نأخذها من الله غصباً وغلابا، وإنما أعطاها إيانا بمشيئته، فتأتي الآية الثانية لتشرح دلك فتقول:

    { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } 30 الإنسان

    أي أن حرية العبد ضمن مشيئة الرب وليست ضدها، أي أن حرية العبد يمكن أن تناقض الرضا الإلهي فتختار المعصية ولكنها لا يمكن أن تناقض المشيئة، فهي تظل دائماً ضمن المشيئة، ولو خالفت الرضا، وهي نقطة دقيقة، وقلنا إن التسيير الإلهي هو عين التخيبر، لأن الله يختار للعبد من جنس نيته وقلبه، ومعنى ذلك أنه يريد للعبد نفس ما أراد العبد لنفسه بنيته واختيار قلبه، أي أن العبد مسير إلى ما اختار، ومعنى ذلك أنه لا إكراه وأنه لا ثنائية ولا تناقض، وأن التسيير هو عين التخيير، وهي مسألة من أدق المسائل في فهم لغز المخير والمسير، وما تسميه أنت تناقضاً هو في الحقيقة جلاء ذلك السر.

    أما الآيات الواردة عن الحساب فإن كل آية تعنى طائفة مختلفة، فهناك من سوف يسأل وتطلب شهادته، وهناك من ستكون ذنوبه من الكثرة بحيث تطفح على وجهه، وهؤلاء هم الذين سوف يعرفون بسيماهم فيؤخذون بالنواصى والأقدام، وهناك المعاند المنكر الذي سوف تشهد عليه يداه ورجلاه:

    { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } 65 يس

    وهناك من سيكون حسيباً على نفسه يعذبها بالندم ويشد وثاقها بالحسرة، وهو الذي لا يوثق وثاقه أحد، وهناك أكابر المجرمين الجبارين الذين سوف يكذبون على الله، وهم يواجهونه ويحلفون الكذب وهم في الموقف العظيم:

    { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون } 18 المجادلة

    وهؤلاء هم الذين سوف يسحبون على وجوههم ويوثقون في السلاسل، وأبو حامد الغزالي يفسر هذه السلاسل بأنها سلاسل الأسباب.

    - وما رأيك في كلام القرآن عن العلم الإلهي:

    { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأي أرض تموت } 34 لقمان

    يقول القرآن إن الله اختص نفسه بهذا العلم لا يعلمه غيره:

    { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } 51 الأنعام

    فما بالك الآن بالطبيب الذي يستطيع أن يعلم ما بالأرحام، ويستطيع أن يتنبأ إن كان ذكرا أم أنثى، وما بالك بالعلماء الذين أنزلوا المطر الصناعي بالأساليب الكيماوية؟

    - لم يتكلم القرآن عن إنزال المطر وإنما عن إنزال الغيث، وهو المطر الغزير الكثيف الذي ينزل بكميات تكفى لتغيير مصير أمة وإغاثتها ونقلها من حال الجدب إلى حال الخصب والرخاء، والمطر بهذه الكميات لا يمكن إنزاله بتجربة.

    أما علم الله لما في الأرحام فهو علم كلي محيط وليس فقط علماً بجنس المولود هل هو ذكر أو أنثى، وإنما علم بمن يكون ذلك المولود وما شأنه وماذا سيفعل في الدنيا، وما تاريخه من يوم يولد إلى يوم يموت، وهو أمر لا يستطيع أن يعلمه طبيب.

    - وما حكاية كرسى الله الذي تقولون إنه وسع السموات والأرض، وعرش الله الذي يحمله ثمانية.

    - إن عقلك يسع السموات والأرض وأنت البشر الذي لا تذكر، فكيف لا يسعها كرسى الله.

    والأرض والشمس والكواكب والنجوم والمجرات محمولة بقوة الله في الفضاء، فكيف تعجب لحمل عرش؟

    - وما هو الكرسي وما العرش؟

    - قل لي ما الإلكترون أقل لك ما الكرسي؟ قل لي ما الكهرباء؟ قل لي ما الجاذبية؟ قل لي ما الزمان؟ إنك لا تعرف ماهية أي شيء لتسألني ما الكرسي وما العرش؟ إن العالم مملوء بالأسرار وهذه بعض أسراره.

    - والنملة التي تكلمت في القرآن وحذرت بقية النمل من قدوم سليمان وجيشه:

    { قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده } 18 النمل

    - لو قرأت القليل عن علم الحشرات الآن لما سألت هذا السؤال، إن علم الحشرات حافل بدراسات مستفيضة عن لغة النمل ولغة النحل، ولغة النمل الآن حقيقة مؤكدة، فما كان من الممكن أن تتوزع الوظائف في خلية من مئات الألوف ويتم التنظيم وتنقل الأوامر والتعليمات بين هذا الحشد الحاشد لولا أن هناك لغة للتفاهم، ولا محل للعجب في أن نملة عرفت سليمان، ألم يعرف الإنسان الله؟

    - وكيف يمحو الله ما يكتب في لوح قضائه:

    { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } 38 الرعد

    أيخطى ربكم كما نخطى في الحساب فنمحو ونثبت، أم يراجع نفسه كما نراجع أنفسنا؟

    - الله يمحو السيئة بأن يلهمك بالحسنة ويقول في كتابه: { إن الحسنات يذهبن السيئات } 114 هود
    ويقول عن عباده الصالحين: { وأوحينا إليهم فعل الخيرات و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة } 73 الأنبياء
    وبذلك يمحو الله دون أن يمحو وهذا سر الآية 39 من سورة الرعد التي ذكرتها.

    - وما رأيك في الآية؟
    { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } 56 الذاريات
    هل كان الله في حاجة لعبادتنا؟!

    - بل نحن المحتاجون لعبادته.
    أتعبد المرأة الجميلة حباً بأمر تكليف، أم أنك تلتذ بهذا الحب وتنتشى وتسعد لتذوقك لجمالها؟ كذلك الله وهو الأجمل من كل جميل إذا عرفت جلاله وجماله وقدره عبدته، ووجدت في عبادتك له غاية السعادة والنشوة.

    إن العبادة عندنا لا تكون إلا عن معرفة، والله لا يعبد إلا بالعلم، ومعرفة الله هي ذروة المعارف كلها، ونهاية رحلة طويلة من المعارف تبدأ منذ الميلاد وأول ما يعرف الطفل عند ميلاده هو ثدي أمه، وتلك أول لذة، ثم يتعرف على أمه وأبيه وعائلته ومجتمعه وبيئته، ثم يبدأ في استغلال هذه البيئة لمنفعته، فإذا هي ثدي آخر كبير يدر عليه الثراء والمغانم والملذات، فهو يخرج من الأرض الذهب والماس، ومن البحر اللآلئ، ومن الزرع الفواكه والثمار، وتلك هي اللذة الثانية في رحلة المعرفة.

    ثم ينتقل من معرفته لبيئته الارضية ليخرج إلى السموات ويضع رجله على القمر، وبطلق سفائنه إلى المريخ في ملاحة نحو المجهول ليستمتع بلذة أخرى أكبر هي لذة استطلاع الكون، ثم يرجع ذلك الملاح ليسأل نفسه، ومن أنا الذي عرفت هذا كله، ليبدأ رحلة معرفة جديدة إلى نفسه، بهدف معرفة نفسه والتحكم في طاقاتها وإدارتها لصالحه وصالح الآخرين، وتلك لذة أخرى.

    ثم تكون ذروة المعارف بعد معرفة النفس هي معرفة الرب الذي خلق تلك النفس. وبهذه المعرفة الأخيرة يبلغ الإنسان ذروة السعادات، لأنه يلتقى بالكامل المتعال الأجمل من كل جميل، تلك هي رحلة العابد على طريق العبادة، وكلها ورود ومسرات.

    وإذا كانت في الحياة مشقة، فلأن قاطف الورود لابد أن تدمى يديه الأشواك، والطامع في ذرى اللانهاية لابد أن يكدح إليها، ولكن وصول العابد إلى معرفة ربه وانكشاف الغطاء عن عينيه ما أروعه.

    يقول الصوفي لابس الخرقة: "نحن في لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف" تلك هي لذة العبادة الحقة، وهي من نصيب العابد، ولكن الله في غنى عنها وعن العالمين، ونحن لا نعبده بأمر تكليف ولكننا نعبده لأننا عرفنا جماله وجلاله، ونحن لا نجد في عبادته ذلاً بل تحرراً وكرامة، تحرراً من كل عبوديات الدنيا، تحرراً من الشهوات والغرائز والأطماع والمال، ونحن نخاف الله فلا نعود نخاف أحداً بعده ولا نعود نعبأ باحد، خوف الله شجاعة، وعبادته حرية، والذل له كرامة، ومعرفته يقين وتلك هي العبادة.

    نحن الذين نجنى أرباحها ومسراتها، أما الله فهو الغنى عن كل شيء، إنما خلقنا الله ليعطينا لا ليأخذ منا، خلقنا ليخلع علينا من كمالاته فهو السميع البصير، وقد أعطانا سمعاً وبصراً وهو العليم الخبير، وقد أعطانا العقل لنتزود من علمه، والحواس لنتزود من خبرته وهو يقول لعبده المقرب في الحديث القدسى: "عبد أطعني أجعلك ربانياً تقول للشيء كن فيكون".

    ألم يفعل هذا لعيسى عليه السلام، فكان عيسى يحيي الموتى بإذنه ويخلق من الطين طيراً بإذنه ويشفي الأعمى والأبرص بإذنه.

    العبودية لله إذن هي عكس العبودية في مفهومنا، فالعبودية في مفهومنا هي أن يأخذ السيد خير العبد، أما العبودية لله فهي على العكس، أن يعطى السيد عبده ما لا حدود له من النعم، ويخلع عليه ما لا نهاية من الكمالات، فحينما يقول الله:

    { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } 56 الذاريات

    فمعناها الباطن ما خلقت الجن والإنس إلا لأعطيهم وأمنحهم حباً وخيراً، وكرامة وعزة، وأخلع عليهم ثوب التشريف والخلافة.

    فالسيد الرب غني مستغن عن عبادتنا، ونحن المحتاجون إلى هذه العبادة والشرف، والمواهب والخيرات التي لا حد لها.

    فالله الكريم سمح لنا أن ندخل عليه في أي وقت بلا ميعاد، ونبقى في حضرته ما شئنا وندعوه ما وسعنا، بمجرد أن نبسط سجادة الصلاة ونقول "الله أكبر" نصبح في حضرته نطلب منه ما نشاء، أين هو الملك الذي نستطيع أن ندخل عليه بلا ميعاد و نلبث في حضرته ما نشاء؟!

    وفي ذلك يقول مولانا العبد الصالح الشيخ محمد متولي الشعراوي في شعر جميل:

    " حسب نفسي عزاً إنني عبد يحتفي بي بلا مواعيد رب هو في قدسه الأعز ولكن أنا ألقى متى وحين أحب"

    ويقول: أرونى صنعة تعرض على صانعها خمس مرات في اليوم "يقصد الصلوات الخمس " وتتعرض للتلف وهذه بعض المعاني الباطنة في الآية التي أثارت شكوكك:

    { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ولو تأملتها لما أثارت فيك إلا الذهول والإعجاب.

    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:47 am

    الفصل الرابع عشر
    موقـف الـدين من التطــور

    قال صاحبي:
    موقفك اليوم سيكون صعباً، فعليك أن تثبت أن خلق الإنسان جاء على طريقة (جلا جلا)، أمسك الخالق قطعة طين ثم عجنها في يده ونفخ فيها فإذا بها آدم وهو كلام تخالفك فيه بشدة علوم التطور التي تقول إن صاحبك آدم جاء نتيجة سلسلة من الأطوار الحيوانية السابقة، وإنه ليس مقطوع الصلة بأفراد عائلته من الحيوانات، وإنه والقرود أولاد عمومة يلتقون معاً في سابع جد، وإن التشابه الأكيد في تفاصيل البنية التشريحية للجميع يدل على أنهم جميعاً أفراد أسرة واحدة.

    قلت وأنا أستعد لمعركة علمية دسمة:
    دعني أصحح معلوماتك أولاً فأقول لك إن الله لم يخلق آدم على طريقة (جلا جلا)
    ها هنا قطعة طين ننفخ فيها فتكون آدم، فالقرآن يروي قصة مختلفة تماماً عن خلق آدم، قصة يتم فيه الخلق على مراحل وأطوار وزمن إلهي مديد، والقرآن يقول إن الإنسان لم يخرج من الطين مباشرة، وإنما خرج من سلالة جاءت من الطين

    { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ } 12 المؤمنون

    وأن الإنسان في البدء لم يكن شيئاً يذكر:

    { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا } 1 الإنسان

    وأن خلقه جاء على أطوار

    { مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا } 13-14 نوح
    { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } 11 الأعراف
    { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } 71-72 ص
    معنى ذلك أن هناك مراحل بدأت بالخلق ثم التصوير، ثم التسوية ثم النفخ،"وثم" بالزمن الإلهي معناها ملايين السنين { إِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } 47 الحج

    انظر إلى هذه المراحل الزمنية للخلق في سورة السجدة، يقول الله سبحانه إنه:

    { وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ . ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ } 7-9 السجدة

    في البدء كان الطين، ثم جاءت سلالة من ماء مهين هي البدايات الأولى للإنسان التي لم تكن شيئاً مذكوراً، ثم التسوية والتصوير، ثم نفخ الروح التي بها أصبح للإنسان سمع وبصر وفؤاد، وأصبح آدم، فآدم إذن نهاية سلسلة من الأطوار وليس بدءاً مطلقاً على طريقة (جلا جلا)

    { وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا } 17 نوح

    هنا عملية إنبات بكل ما في الإنبات من أطوار ومراحل وزمن، ولكن اللغز الحقيقي هو ماذا كانت تلك المراحل بالضبط، وماذا كانت تلك الأطوار؟

    هل كل شجرة الحياة من أب واحد، هي كلها من الطين بحكم التركيب الكيميائي، وكلها تنتهي بالموت إلى أصلها الترابي، هذه حقيقة، ولكننا نقصد من كلمة أب شيئاً أكثر من الأصل الطيني.

    والسؤال هو هل تولدت من الطين خلية أولى تعددت وأنجبت كل تلك الأنواع والفصائل النباتية والحيوانية بما في ذلك الإنسان؟
    أم أنه كانت هناك بدايات متعددة، بداية تطورت إلى نباتات، وبداية تطورت إلى فرع من فروع الحيوان، كالإسفنج مثلاً، وبداية أخرى خرج منها فرع آخر كالأسماك، وبداية خرجت منها الزواحف، وبداية خرجت منها الطيور، وبداية خرجت منها الثدييات، وبداية خرج منها الإنسان، وبذلك يكون للإنسان جد منفصل، ويكون لكل نوع جد خاص به؟

    إن التشابه التشريحي للفروع والأنواع والفصائل لا ينفي خروج كل نوع من بداية خاصة، وإنما يدل هذا
    التشابه التشريحي في الجميع على وحدة الخالق، وأن صانعها جميعاً واحد، لأنه خلقها جميعاً من خامة واحدة وبأسلوب واحد وبخطة واحدة، هذه هي النتيجة الحتمية.

    ولكن خروجها كلها من أب واحد ليس نتيجة محتمة لتشابهها التشريحي، فوسائل المواصلات تتشابه فيما بينها العربة والقطار والترام والديزل كلها تقوم على أسس هندسية وتركيبة متشابهة، دالة بذلك على أنها جميعاً من اختراع العقل البشري، ولكن هذا لا يمنع أن كل صنف منها جاء من أب مستقل ومن فكرة هندسية مستقلة.

    كما أننا لا يصح أن نقول إن عربة اليد تطورت تلقائياً بحكم القوانين الباطنة فيها إلى عربة حنطور، ثم إلى عربة فورد ثم إلى قطار، ثم إلى ديزل.

    فالواقع غير ذلك، وهو أن كل طور من هذه الأطوار جاء بطفرة ذهنية في عقل المخترع، وقفزة إبداع في عقل المهندس، لم يخرج نوع من آخر، مع أن الترتيب الزمني قد يؤيد فكرة خروج نوع من نوع.

    ولكن ما حدث كان غير ذلك فكل نوع جاء بطفرة إبداعية من العقل المخترع، وبدأ مستقلاً، وهذه هي أخطاء داروين والمطبات والثغرات التي وقع فيها حينما صاغ نظريته.

    ودعنا نتذكر معاً ما قال داروين في كتابه "أصل الأنواع":
    كان أول ما اكتشفه داروين في أثناء رحلته بالسفينة "بيجل" هي الخطة التشريحية الواحدة التي بنيت عليها كل الفصائل الحيوانية، فالهيكل العظمي واحد في أغلب الحيوانات الفقرية، الذراع في القرد هو نفس الجناح في الطائر، هو نفس الجناح في الخفاش، كل عظمة هنا تقابلها عظمة تناظرها هناك مع تحورات طفيفة، لتلائم الوظيفة، فالعظام في الطيور رقيقة وخفيفة ومجوفة وهي مغطاة بالريش.

    ثم نجد رقبة الزرافة الطويلة بها سبع فقرات، ورقبة الإنسان سبع فقرات، ورقبة القنفذ التي لا تذكر من فرط قصرها هي الأخرى بها سبع فقرات، وهناك خمس أصابع في يد الإنسان، ونجد نفس التخميس في أصابع القرد، والأرنب، والضفدعة، والسحلية، وفترة الحمل في الحوت والقرد والإنسان تسعة أشهر، وفترة الإرضاع في الجميع سنتان، وفقرات الذيل في القرد نجدها في الإنسان متدامجة ملتصقة فيما يسمى بالعصعص، ونجد عضلات الذيل قد تحورت في الإنسان إلى قاع متين للحوض، ثم نجد القلب بغرفه الأربع في الحصان والحمار والأرنب والحمامة والإنسان، ونفس الخطة في تفرع الشرايين والأوردة، ثم نجد نفس الخطة في الجهاز الهضمي، البلعوم ثم المعدة ثم "الاثنى عشر" ثم الأمعاء الدقيقة ثم الأمعاء الغليظة ثم الشرج.

    والجهاز التناسلي، نفس الخصية والمبيض وقنوات الخصية وقنوات المبيض، وكذلك الجهاز البولي، نفس الكلية والحالب وحويصلة البول. والجهاز التنفسي، القصبة الهوائية والرئتين، ونجد أن الرئة في البرمائيات هي نفس كيس العوم في السمكة.

    كان طبيعياً بعد هذا أن يتصور داروين أن الحيوانات كلها أفراد أسرة واحدة تفرقت بهم البيئات فتكيفت كل فصيلة مع بيئتها، الحوت في المنطقة الجليدية لبس معطفاً من الشحم، والدببة لبست الفراء، وإنسان الغابة في الشمس الاستوائية أسودّ جلده فأصبح كالمظلة الواقية ليقيه الشمس، وسحالي الكهوف ضمرت عيونها لأنها لا تجد لها فائدة في الظلام فأصبحت عمياء في حين نجد سحالي البراري مبصرة، والحيوانات التي نزلت الماء طورت أطرافها إلى زعانف، والتي غزت الجو طورت أطرافها إلى أجنحة، وزواحف الأرض طورت أطرافها إلى أرجل.

    ثم ألا يحكي الجنين القصة؟ ففي مرحلة من مراحل نموه نراه يتنفس بالخياشيم ثم تضمر الخياشيم وتظهر فيه الرئتان، وفي مرحلة نجد له ذيلاً يضمر الذيل ويختفي، وفي مرحلة نراه يكتسي بالشعر ثم ينحسر بعد ذلك الشعر عن جسمه.

    ثم ألا تحكي لنا طبقات الصخور بما حفظت لنا من حفريات قصة متسلسلة الحلقات عن ظهور واختفاء هذه الأنواع الواحد بعد الآخر من الحيوانات البسيطة وحيدة الخلية، إلى عديدة الخلايا، إلى الرخويات، إلى القشريات، إلى الأسماك، إلى البرمائيات، إلى الزواحف، إلى الطيور، إلى الثدييات، وأخيراً إلى الإنسان.

    ولقد أصاب داروين وأبدع حينما وضع هذه المقدمة القيمة في التشابه التشريحي بين الحيوانات وأصاب حينما قال بالتطور، ولكنه أخطأ حينما حاول أن يفسر عملية الارتقاء، وأخطأ حينما حاول أن يتصور مراحل هذا الارتقاء وتفاصيله.

    كان تفسير داروين لعملية الارتقاء أنه يتم بالعوامل المادية التلقائية وحدها، حيث تتقاتل الحيوانات بالناب والمخلب في صراع الحياة الدموي الرهيب فيموت الضعيف ويكون البقاء دائماً للأصلح، تلك الحرب الناشبة في الطبيعة هي التي تفرز الصالح والقوي وتشجعه وتبقي على نسله، وتفسح أمامه سبل الحياة.

    وإذا كانت هذه النظرية تفسر لنا بقاء الأقوى فإنما لا تفسر لنا بقاء الأجمل، فإن الجناح المنقوش لا يمتاز بأي صلاحيات مادية أو معاشية عن الجناح الأبيض، وليس أكفأ منه في الطيران.

    وإذا قلنا إن الذكر يفضل الجناح المنقوش، في التزاوج، فسوف نسأل ولماذا؟ ما دام هذا النقش لا يمثل أي مزيد من الكفاءة؟

    وإذا دخل تفضيل الأجمل في الحساب فإن النظرية المادية تنهار من أساسها، وتبقى النظرية بعد ذلك عاجزة عن تفسير لماذا خرج من عائلة الحمار شيء كالحصان، ولماذا خرج من عائلة الوعل شيء رقيق مرهف وجميل كالغزال، مع أنه أقل قوة وأقل احتمالاً، كيف نفسر جناح الهدهد وريشة الطاووس وموديلات الفراش بألوانها البديعة ونقوشها المذهلة، ونحن هنا أمام يد مصور فنان يتفنن ويبدع، ولسنا أمام عملية غليظة كصراع البقاء وحرب المخلب والناب.

    والخطأ الثاني في نظرية التطور جاء بعد ذلك من أصحاب نظرية الطفرة، والطفرات هي الصفات الجديدة المفاجئة التي تظهر في النسل نتيجة تغيرات غير محسوبة، في عملية تزاوج الخلية الأنثوية والخلية الذكرية ولقاء الكروموسومات لتحديد الصفات الوراثية.

    وأحياناً تكون هذه الصفات الجديدة صفات ضارة كالمسوخ والتشوهات، وأحياناً تكون طفرات مفيدة للبيئة الجديدة للحيوان كأن تظهر للحيوان الذي ينزل الماء أرجل مبططة، فتكون صفة جديدة مفيدة، لأن الأرجل المبططة أنسب للسباحة، فتشجع الطبيعة هذه الصفة وتنقلها إلى الأجيال الجديدة، وتقضي على الصفة القديمة لعدم صلاحيتها، وبذلك يحدث الارتقاء وتتطور الأرجل العادية إلى أرجل غشائية.

    وخطأ هذه النظرية أنها أقامت التطور على أساس الطفرات والأخطاء العشوائية، وأسقطت عملية التدبير والإبداع تماماً، ولا يمكن أن تصلح هذه الطفرات العشوائية أساساً لما نرى حولنا من دقة وإبداع وإحكام في كل شيء.

    إن البعوضة تضع بيضها في المستنقع، وكل بيضة تأتي إلى الوجود مزودة بكيسين للطفو، من أين تعلمت البعوضة قوانين أرخميدس لتزود بيضها بهذه الأكياس الطافية؟

    وأشجار الصحارى تنتج بذوراً مجنحة تطير مع الرياح أميالاً وتنتثر في مساحات واسعة بلا حدود، من أين تعلمت أشجار الصحارى قوانين الحمل الهوائي لتصنع لنفسها هذه البذور المجنحة، التي تطير مئات الأميال بحثاً عن أراض ملائمة للإنبات؟

    وهذه النباتات المفترسة التي تصطنع لنفسها الفخاخ والشراك الخداعية العجيبة لتصيد الحشرات وتهضمها وتأكلها بأي عقل استطاعت أن تصطنع تلك الحيل؟

    نحن هنا أمام عقل كلي يفكر ويبتكر لمخلوقاته ويبدع لها أسباب الحيل، لا يمكن تصور حدوث الارتقاء بدون هذا العقل المبدع

    { الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } 50 طـه

    والعقبة الثالثة أمام نظرية داروين هي ما اكتشفناه الآن باسم الخريطة الكروموسومية أو خريطة الجينات، ونحن نعلم الآن أن لكل نوع حيواني خريطة كروموسومية خاصة به، ويستحيل أن يخرج نوع من نوع بسبب اختلاف هذه الخريطة الكروموسومية.

    نخلص من هذا إلى أن نظرية داروين تعثرت، وإذا كان التشابه التشريحي بين الحيوانات حقيقة متفق عليها، وإذا كان التطور أيضاً حقيقة، فإن مراحل هذا التطور وكيفياته ما زالت لغزاً.

    هل كانت هناك بدايات مستقلة أم أن بعض الفروع تلتقي عند أصول واحدة؟

    والتطور وارد باللفظ الصريح في القرآن، كما أن مراحل الخلق والتصوير والتسوية ونفخ الروح واردة، ولكن لم يستقر العلم على نظرية ثابتة لتلك المراحل بعد، وإذا عدنا لسورة السجدة التي تحكي عن الله أنه

    { وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ . ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ } 7-9 السجدة

    فإن معنى الآية صريح في أن البدايات الأولى للإنسان التي جاء منها آدم فيما بعد، وهي تلك التي جاء نسلها من ماء مهين، لم يكن لها سمع ولا أبصار ولا أفئدة، وإنما جاءت هذه الأبصار والأسماع والأفئدة بعد نفخ الروح وهي آخر مراحل خلق آدم، هي إذاً بدايات أشبه بالحياة الحيوانية المتخلفة

    { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا } 1 الإنسان

    هو تفسير لا يختلف كثيراً عن العلوم التي تتحدث عنها، ولكن نفس الآية قد تعني معنى آخر هو أطوار الجنين داخل الرحم وكيف يتخلق من بدايات لا سمع فيها ولا بصر ثم يأتي نفخ الروح في هذه المضغة في الشهر الرابع فتستوي خلقاً آخر، آيات الخلق إذن متشابهات والقرآن يحمل أكثر من وجه من وجوه التفسير والحقيقة بعد هذا ما زالت لغزاً، ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه كشف الحقيقة، والسؤال ما زال مفتوحاً للبحث، وكل ما جاء به العلم فروض.

    وربما كانت أرجح الآراء أن التسوية المذكورة في القرآن

    { خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ } 7-8 الانفطار

    كانت تسوية سلالية بشيء أشبه بالهندسة الوراثية وأن الأمر ليس تطوراً كما يقول داروين ولكنه تطوير يحدث بتدخل وفعل إلهي لإعداد الحشوة الحية (وهي في أصل المنشأ من الطين) لتستقبل نفخة الروح وحلول النفس فيها لتكون آدم.

    ثم النفس وحكايتها هي سؤال آخر أكثر ألغازاً، هل يكون للنفس تصوير في القوالب الطينية فتكون لها تجسدات متعداة وتاريخ وتطور هي الأخرى؟ أم أنها على حالها من علم الله بها منذ الأزل؟
    الله أعلم، والموضوع كله عماء.

    وربما كان أفضل فهم لعملية التطور أنها كانت تطويراً بفعل فاعل وبذات مبدعة خلاّقة ولم تكن تطوراً تلقائياً كما تصورها داروين وصحبه ولم تكن مراحل متروكة للصدفة، وإنما كانت تخليقاً مراداً ومخططاً خالق قادر حكيم، وإنها هندسة وراثية لمهندس عظيم ليس كمثله شيء.

    وما جاء في القرآن هو أصدق صورة لما حدث، والقطع في هذه القضية مستحيل، وما زال القرآن يفرض نفسه بلا بديل.
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:48 am

    الفصل الخامس عشر
    كلمة لا إله إلا الله

    قال صاحبي:
    ألست معي في أنكم تبالغون كثيراً في استخدام كلمة لا إله إلا الله وكأنها مفتاح لكل باب، تشيعون بها الميت وتستقبلون الوليد وتطبعونها على الأختام وتنقشونها على القلائد وتصكون بها العملات وتعلقونها على الجدران، من ينطق بها منكم تقولون أن جسمه أعتق من النار، فإذا نطق بها مائة ألف مرة دخل الجنة وكأنها طلسم سحري أو تعويذة لطرد الجن أو قمقم لحبس المردة، ثم هذه الحروف التي لا تعرفون لها معنى، ا . ل . م، كهيعص، طسم، حم، الر.

    هل أنجو من العذاب إذا قلت لا إله إلا الله، إذاً فإني أقولها وأشهدك وأشهد الحضور على ذلك، لا إله إلا الله، هل انتهى الأمر.

    قلت له:
    بل أنت لم تقل شيئاً، إن لا إله إلا الله لمن يعمل بها وليست لمن يشقشق بها لسانه، لا إله إلا الله منهج عمل وخطة حياة وليست مجرد حروف، ودعنا نفكر قليلاً في معناها، إننا حينما نقول لا إله إلا الله نعني أنه لا معبود إلا الله وبين لا وإلا بين النفي والإثبات في العبارة بين هاتين الدفتين تقع العقيدة كلها، لا النافية تنفي الألوهية عن كل شيء، عن كل ما نعبد من مشتهيات في الدنيا، عن المال والجاه والسلطان واللذات وترف العيش والنساء الباهرات والعز الفاره، لكل هذا نقول لا، لا نعبدك، لست إلهاً، ثم نقول لا لنفوسنا التي تشتهي تلك الأشياء لأن الإنسان يعبد نفسه في العادة ويعبد رأيه ويعبد هواه واختياره ومزاجه ويعبد ذكاءه ومواهبه وشهرته ويتصور أن بيده مقاليد الأمور وأقدار الناس والمجتمع، ويجعل من نفسه إلهاً دون أن يدري، لهذه النفس نحن نقول لا، لا نعبدك، لست إلهاً.

    نقول (لا) للمدير والرئيس والحاكم، لا لست إلهاً.
    ومعنى كلمة (إله) أي (فاعل)، والفاعل بحق عندنا هو الله، أما كل هذه الأشياء فوسائط وأسباب، المدير والوزير والرئيس والمال والجاه والسلطان والنفس بذكائها ومواهبها، لكل هذا نقول لا، لست إلهاً.

    (إلا) واحد نستثنيه ونثبت له تلك الفاعلية والقدرة هو الله.
    وبين لا وإلا بين هذا النفي وهذا الإثبات تقع العقيدة كلها فمن كان مشغولاً بجمع المال وتكديس الثروات وتملق السلطان والتزلف للرؤساء وتحري اللذات واتباع هوى نفسه وتعشق رأيه والتعصب لوجهة نظره، فهو لم يقل لا لكل هــذه المعبودات وهو ساجد في محرابها دون أن يدري وحينما يقول لا إله إلا الله فهو يقولها كاذباً، يقول بلسانه ما لا يفعل بيديه ورجليه.

    ومعنى (لا إله إلا الله) أنه لا حسيب ولا رقيب إلا الله، هو وحده الجدير بالخشية والخوف والمراقبة، فمن كان يخاف المرض ومن كان يخاف الميكروب ومن كان يخاف عصا الشرطي وجند الحاكم فإنه لم يقل (لا) لكل تلك الآلهة الوهمية، وإنما هو مازال ساجداً لها وقد أشرك مع خالقه كل تلك الآلهة المزيفة، فهو كاذب في كلمة (لا إله إلا الله)، ومعنى ذلك أن (لا إله إلا الله) عهد ودستور ومنهج حياة، والمقصود بها، العمل بها.

    فمن عمل بها كانت له طلسماً بالفعل يفتح له كل الأبواب العصيّة، وكانت نجاة في الدنيا والآخرة ومدخلاً إلا الجنة، أما نطق اللسان بدون تصديق القلب وعمل الجوارح، فإنه لا يغني.

    و(لا إله إلا الله) تعنى أكثر من هذا موقفاً فلسفياً
    يقول الدكتور زكي نجيب محمود أن (شهادة لا إله إلا الله) تتضمن الإقرار بثلاث حقائق، أن الشاهد موجود والمشهود موجود، والحضور الذين تلقى أمامهم الشهادة موجودون أيضاً أي أنها إقرار صريح بأن الذات والله والآخرين لهم جميعاً وجود حقيقي.

    وبهذا يرفض الإسلام الفلسفة المثالية كما يرفض الفلسفة المادية في ذات الوقت، يرفض اليمين واليسار معًا ويختار موقفاً وسطاً.

    يرفض المثالية الفلسفية، لأن المثالية الفلسفية لا تعترف بوجود الآخرين ولا بوجود العالم الموضوعي كحقيقة خارجية مستقلة عن العقل، وإنما كل شيء في نظر الفلسفة المثالية يجرى كأنه حلم في دماغ، أو أفكار في عقل، أنت والراديو والشارع والمجتمع والصحيفة والحرب كلها حوادث ومرائي وأحلام تجري في عقليّ، لا وجود حقيقي للعالم الخارجي.

    وهذا الموقف المثالي المتطرف يرفضه الإسلام وترفضه الشهادة لأنها كما قلنا إقرار صريح بأن الشاهد والمشهود والحضور الذين تلقى أمامهم الشهادة أي الذات والله والآخرين حقائق مقررة.

    كما يرفض الإسلام أيضاً الفلسفة المادية لأن الفلسفة المادية تعترف بالعالم الموضوعي ولكنها تنكر ما وراءه، تنكر الغيب والله.
    والإسلام بهذا يقدم فلسفة واقعية وفكراً واقعياً فيعترف بالعالم الموضوعي ثم يضيف إلى هذا العالم كل الثراء الذي يتضمنه الوجود الإلهي الغيبي، ويقدم تركيباً جدلياً جامعاً بين فكر اليمين وفكر اليسار في فلسفة جامعة ما زالت تتحدى كل اجتهاد المفكرين فتسبق ما سطروا من نظريات ظنية لا تقوم على يقين.

    شهادة (لاإله إلا الله) تعنى إذاً منهج حياة وموقفاً فلسفياً، ولهذا فأنت تكذب وأنت الرجل الماديّ الذي اخترت موقفاً فلسفياً ماديـاً وأنت تنطق بالشهادة كذبتين:

    الكذبة الأولى أنك تشهد بما ينافي فلسفتك.
    والكذبة الثانية أنك لا تعمل بهذه الشهادة في حياتك قدر خردلة.

    أما حكاية، ا . ل . م . وكهيعص . حم . الر . فدعنى أسألك، وما حكـاية س ص ولوغاريتم ومعادلة الطاقة ط = ك × س2 وهي ألغاز وطلاسم بالنسبة لمن لا يعرف شيئـاً في الحساب والجبر والرياضيات، وعند العالمين لها معانى خطيرة، كذلك هذه الحروف حينما يكشف لنا عن معناها.

    قال صاحبي في سخرية:
    وهل كشف لك عن معناها؟

    قلت وأنا ألقي بالقنبلة:
    هذا موضوع مثير يحتاج إلى كلام آخر طويل سوف يدهشك.
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:49 am


    الفصل السادس عشر
    كـــهـــيــعــص

    قلت لصديقي الملحد:
    لا شك أن هذه الحروف المقطعة في أوائل السور قد صدمتك حينما طالعتها لأول مرة، هذه الـ حم، طسم، الم، كهيعص، ق، ص، ترى ماذا قلت لنفسك وأنت تقرأها؟

    اكتفى بأن يمط شفتيه في لا مبالاة ويقول في غمغمة مبتورة:
    - يعني.

    - يعنى ماذا

    - يعنى، أي كلام يضحك به النبي عليكم.

    - حسنـاً دعنا نختبر هذا الكلام الذي تدعي أنه كلام فارغ والذي تصورت أن النبي يضحك به علينا، ودعنا نأخذ سورة صغيرة بسيطة من هذه السور، سورة ق مثـلاً، ونجرى تجربة، فنعد ما فيها من قافات وسنجد أن فيها 57 قافاً، ثم نأخذ السورة التالية وهي سورة الشورى وهي ضعفها في الطول وفي فواتحها حرف ق أيضاً، وسنجد أن فيها عى الأخرى 57 قافـاً.

    هل هي صدفة، لنجمع 57 + 57 = 114 عدد سور القرآن، هل تذكر كيف تبدأ سورة ق، وكيف تختتم، في بدايتها { ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ } وفي ختامها، { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } وكأنما هي إشارات بأن ق ترمز للقرآن، ومجموع القافات 114 وهي مجموع سور القرآن.

    قال صاحبي في لا مبالاة :
    - هذه أمور من قبيل الصدف

    قلت في هدوء:
    سنمضى في التجربة ونضع سور القرآن في العقل الإلكتروني ونسأله أن يقدم لنا احصائية بمعدلات توارد حرف القاف في جميع السور.

    قال وقد توترت أعصابه وتيقظ تماماً:
    - وهل فعلوها ؟

    قلت في هدوء:
    - نعم فعلوها .

    - وماذا كانت النتيجة؟

    - قال لنا العقل الإلكتروني أن أعلى المتوسطات والمعدلات موجودة في سورة ق وأن هذه السورة قد تفوقت حسابياً على كل المصحف في هذا الحرف، هل هي صدفة أخرى؟

    - غريب.

    - وســورة الرعـد تبدأ بالحرف ا ل م ر قدم لنا العقل الإلكتروني احصائية بتوارد هذه الحروف في داخل الســور كالآتى:

    ا ترد 625 مرة
    ل ترد 479 مرة
    م ترد 260 مرة
    ر ترد 137 مرة

    هكذا وفي ترتيب تنازلي ا ثم ل ثم م ثم ر، بنفس الترتيب الذي كتبت به (ا ل م ر) تنازليـاً ثم قام العقل الإلكتروني بإحصاء معدلات توارد هذه الحروف في المصحف كله، وألقى إلينا بالقنبلة الثانية، أن أعلى المعدلات والمتوسطات لهذه الحروف هي في سورة الرعد، وأن هذه السورة تفوقت حسابياً في هذه الحروف على جميع المصحف.

    نفس الحكاية في ا ل م البقرة

    ا وردت 4592 مرة
    ل وردت 3204 مرات
    م وردت 2195 مرة

    بنفس الترتيب التنازلى ا ل م، ثم يقول لنا العقل الإلكتروني أن هذه الحروف الثلاثة لها تفوق حسابي على باقي الحروف في داخل سورة البقرة.

    نفس الحكاية في ا ل م سورة آل عمران

    ا وردت 2578 مرة .
    ل وردت 1885 مرة .
    م وردت 1251 مرة .

    بنفس الترتيب التنازلى ا ل م وهي تتوارد في السورة بمعدلات أعلى من باقي الحروف.

    نفس الحكاية ا ل م سورة العنكبوت

    ا وردت 784 مرة .
    ل وردت 554 مرة .
    م وردت 344 مرة .

    بنفس الترتيب التنازلى ا ل م وهي تتوارد في السورة بمعدلات أعلى من باقي الحروف

    نفس الحكاية في ا ل م سورة الروم

    ا وردت 547 مرة .
    ل وردت 396 مرة .
    م وردت 318 مرة .

    بنفس الترتيب ا ل م ثم هي تتوارد في السورة بمعدلات أعلى من باقي الحروف.

    وفي جميع السور التي ابتدأت بالحروف ا ل م نجد أن السور المكية تتفوق حسابياً في معدلاتها على باقي السور المكية، والمدنية تتفوق حسابياً في معدلاتها من هذه الحروف على باقي السور المدنية.

    وبالمثل في ا ل م ص سورة الأعراف، يقول لنا العقل الإلكتروني أن معدلات هذه الحروف هي أعلى ما تكون في سورة الأعراف، وأنها تتفوق حسابياً على كل السور المكية في المصحف.

    وفي سورة طـه نجد أن الحرف طـ والحرف هـ يتواردان فيها بمعدلات تتفوق على كل السور المكية، وكذلك في كهيعص مريم ترتفع معدلات هذه الحروف على كل السور المكية في المصحف.

    كما نجد أن جميع السور التي افتتحت بالحروف حـم، إذا ضمت إلى بعضها فإن معدلات توارد الحرف ح والحرف م تتفوق على كل السور المكية في المصحف.

    وبالمثل السورتان اللتان افتتحتا بحرف ص وهما سورة ص والأعراف (ا ل م ص) ويلاحظ أنهما نزلتا متتابعتين في الوحي، إذا ضمتا معاً تفوقاً حسابياً في هذه الحروف على باقي المصحف.

    وكذلك السور التي افتتحت بالحروف (ا ل ر) وهي إبراهيم ويونس وهود ويوسف والحجر وأربع منها جاءت متتابعة في تواريخ الوحي، إذا ضمت لبعضها، أعطانا العقل الإلكتروني أعلى معدلات في نسبة توارد حروفها ا ل ر على كل السور المكية في المصحف.

    أما في سورة يـس فإننا نلاحظ أن الدلالة موجودة ولكنها انعكست، لأن ترتيب الحروف انعكس؛ فالياء في الأول يـس "بعكس الترتيب الأبجدي"، ولهذا نرى أن توارد الحرف ي والحرف س هو أقل من توارده في جميع المصحف مدنياً ومكـياً، فالدلالة الإحصائية هنا موجودة ولكنها انعكست.

    كان صاحبي قد سكت تماماً

    قلت وأنا أطمئنه:
    أنا لا أقول هذا الكلام من عند نفسي وإنما هي دراسة قام بها عالم مصريّ في أمريكا هو الدكتور رشاد خليفة، وهذا الكتاب الذي بين يديك يقدم لك هذه الدراسة مفصلة:

    Miracle of Quran
    slamic Productions international in St. Louis mo

    وقدمت إليه كتاباً إنجليزياً مطبوعاً في أمريكا للمؤلف، أخذ صاحبي يقلب الكتاب في صمت.

    قلت:
    لم تعد المسألة صدفة، وإنما نحن أمام قوانين محكمـة وحروف محسوبة كل حرف وضع بميزان ورحت أتلو عليه من سورة الشورى

    {اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ } 17 الشورى

    وأي ميـــزان، نحن هنا أمام ميزان يدق حتى يزن الشعرة والحرف، أظن أن فكرة النبي الذي يؤلف القرآن ويقول لنفسه سلفاً سوف أؤلف ســورة الرعد من حروف (ا ل م ر) وأورد بها أعلى معدلات من هذه الحروف على باقي الكتاب وهو لم يؤلف بعد الكتاب مثل هذا الظن لم يعد جائزاً، وأين هذا الذي يحصي له هذه المعدلات وهي مهمة لا يستطيع أن يقوم بها إلا عقل إلكتروني ولو تكفل هو بها فإنه سيقضي بضع سنين ليحصى الحروف في سورة واحدة يجمع ويطرح بعلوم عصره وهو لا يعرف حتى علوم عصره وهو سيؤلف أو يشتغل عداداً للحروف.

    نحن هنا أمام استحالة، فإذا عرفنا أن القرآن نزل مفرقاً ومقطعاً على 23 سنة، فإننا سوف نعرف أن وضع معدلات إحصائية مسبقة بحروفه هي استحالة أخرى، وأمر لا يمكن أن يعرفه إلا العليم الذي يعلم كل شيء قبل حدوثه والذي يحصى بأسرع وأدق من كل العقول الإلكترونية، الله الذي أحاط بكل شيء علماً، وما هذه الحروف المقطعة في فواتح السور إلا رموز علمه بثها في تضاعيف كتابه لنكشفها نحن على مدى الزمان.

    { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } 53 فصلت

    ولا أقول أن هذه كل أسرار الحروف، بل هي مجرد بداية لا أحد يدرى إلى أي آفاق سوف توصلنا، وهذه الحروف بهذه الدلالة الجديدة تنفي نفياً باتاً شبهة التأليف.

    ثم هي تضعنا أمام موازين دقيقة ودلالات عميقة لكل حرف فلا يجرؤ أحدنا أن يقول أنه أمام أي كلام، ألا ترى يا صاحبي أنك أمام كلام لا يمكن أن يكون أي كلام.

    ولم يجب صاحبي، وإنما ظل يقلب الكتاب الإنجليزى ويتصفحه ثم يعود يقلبه دون أن ينطق بحرف.
    avatar
    lorans
    المراقب العام
    المراقب العام

    عدد المساهمات : 273
    نقاط : 375
    تاريخ التسجيل : 21/12/2009

    رد: حوار مع صديقي الملحد

    مُساهمة من طرف lorans في الثلاثاء ديسمبر 29, 2009 11:52 am

    الفصل السابع عشر
    المعجزة

    قال صاحبي:
    لا أفهم كيف يجوز للرب الرحيم الذي تصفونه بأنه رؤوف ودود كريم عفو غفور، كيف يأمر هذا الرب نبيه الخليل المقرب إبراهيم بأن يذبح ولده، ألا ترى معي أن هذه مسألة صعبة التصديق؟

    قلت له:
    القصة تدل من سياقها وأحداثها على أن مراد الله من إبراهيم لم يكن ذبح ابنه، بدليل أن الذبح لم يحدث وإنما كان المراد أن يذبح إبراهيم شغفه الزائد بابنه، ومحبته الزائدة لابنه، وتعلقه الزائد بابنه إذ لا يجوز أن يكون في قلب النبي تعلق بغير الله، لا دنيا ولا ولد ولا جاه ولا سلطان، كل هذه الأمور لا يصح أن يتعلق بها قلب النبي.

    وكما هو معلوم كان إسماعيل قد جاء لأبيه إبراهيم على كبر وعلى شيخوخة، فشغف به الشيخ وتعلق به، فجاء امتحان الله لنبيه ضرورياً، وما حدث في القصة يدل على سلامة هذا التفسير، فما إن صدع النبي لأمر ربه وأشرع سكينه ليذبح ولده حتى جاء أمر السماء بالفداء.

    قال:
    وما رأيك في معجزات إبراهيم العجيبة ودخوله النار دون أن يحترق، وما فعله موسى من بعده حينما أخرج من عصاه ثعباناً ثم حينما شق بهذه العصا البحر، ثم حينما أخرج يده من تحت إبطه فإذا هي بيضاء، ألا تبدو هذه الأمور وكأنها عرض بهلواني في سيرك، وكيف يدلل الله على قدرته وعظمته بهذه البهلوانيات التي هي في حد ذاتها صنوف من اللامعقول وأمثلة من خرق النظام، ألا يبدو أن البرهان الأقوى على عظمة الله هو النظام والعقل والانضباط والقوانين في سريانها الجميل في الكون دون أن تخرق.

    - لقد فهمت المعجزة خطأ وتصورتها خطأ.
    المعجزة في تصورك عمل بهلواني وخرق للقانون، ولا معقول، ولكن الحقيقة غير ذلك.
    ودعني أقرِّب الموضوع إلى ذهنك بمثَل، لو أنه قُدِّر لك أن تعود ثلاثة آلاف سنة إلى الوراء، ثم تدخل على فرعون مصر في ذلك الزمن البائد ومعك ترانزستور في حجم علبة الثقاب يتكلم ويغني من تلقاء نفسه، ترى ماذا سيكون حال فرعون وحاشيته؟ سيهتفون في ذهول بلا شك معجزة، سحر، لا معقول، خرق لجميع القوانين.

    ولكننا نعلم الآن أنه لا إعجاز في الموضوع ولا سحر، ولا خرق لأي قانون، بل إن ما يحدث في داخل الترانزستور هو أمر يجري حسب قوانين في علم الإلكترونيات، وإنه معقول تماماً وسيكون الأمر أعجب لو أنك دخلت على ملك بابل وفي يدك تليفزيون ينقل الصور من بلاد الروم، وسوف يصفق ملك آشور عجباً لو أنك أدرت له أسطوانة بلاستيك فتكلمت.

    بل إن التاريخ ليحفظ لنا قصة مماثلة حينما نزل المستعمرون أفريقيا، وحطت أول طائرة لهم في الغابة وسط البدائيين، ماذا حدث؟ سجد الزنوج العراة على وجوههم ودقوا الطبول وذبحوا القرابين وظنوا أن الله نزل من سماواته وتصوروا فيما يحدث خرقاً لجميع القوانين، مع أننا نعلم الآن أن الطائرة تطير بقانون وتنزل بقانون، وأنها مصممة حسب القوانين الهندسية المحكمة، وأن طيرانها أمر معقول تماماً، وأنها لا تخرق قانون الجاذبية، وإنما تتجاوز هذا القانون بقانون آخر هو قانون الفعل ورد الفعل.

    نحن إذاً أمام تفاضل قوانين وليس أمام خرق قوانين، والماء يصعد في ساق النخلة ضد الجاذبية ليس بخرق هذه الجاذبية وإنما بمجموعة قوانين فسيولوجية تتفاضل معها، هي قانون تماسك العمود المائي وقانون الخاصة الشعرية، وقانون الضغط الأزموزي، وهي جميعها قوانين تؤدي إلى شد الماء إلى أعلى.

    نحن دائماً لا نخرج عن العقل ولا عن المعقول، وما حدث لم يكن بهلوانيات، وإنما كانت دهشة الزنوج البدائيين مردها جهلهم بهذه القوانين، وكذلك دهشتك أمام شق موسى للبحر وإخراجه للثعبان من العصا، وإحياء عيسى للموتى، ودخول إبراهيم للنار بدون أن يحترق، تصورت أنها لا معقول وخرق للقوانين وبهلوانيات، في حين أنها تجري جميعها على وفاق المشيئة الإلهية التي تتفاضل مع جميع القوانين التي نعرفها، وهي إذن صنوف من النظام ومن المعقول، ولكن أعلى من مداركنا والله لا يهدم النظام بهذه المعجزات، وإنما يشهدنا على نظام أعلى، وقوانين أعلى، وعقل أكبر من استيعابنا، ومشيئة أعلى من ذلك كله.

    وقد وقع البهائيون في نفس غلطتك حينما رفضوا المعجزات، وتصوروا أن قبولها فيه امتهان للعقل، وازدراء بالعقل، فتحايلوا على القرآن وحرّفوا معانيه عن ظاهرها، فموسى لم يشق البحر بعصاه، وإنما كانت عصاه هي الشريعة التي فرقت الحق من الباطل، وبالمثل كانت يده البيضاء هي رمز ليد الخير، وبالمثل أحيا عيسى النفوس ولم يحي الأجساد، وفتح العقول ولم يفتح العيون العمى، وبهذا أخرجوا القرآن عن معانيه الحرفية إلى تأويلات وتفسيرات مجازية ورمزية كلما اصطدموا بشيء لم يعقلوه.

    وكان هذا لأنهم أخطأوا فهم المعجزة وتصوروا أنها لا معقول، وخرق للقانون، وهدم للنظام، وهو نفس ما وقعت فيه.

    والحق أننا نعيش في عصر لم تعد تستغرب فيه المعجزات، وقد رأينا العلم يأخذ بيدنا إلى سطح القمر، وإذا كان العلم البشري أعطانا كل هذا السلطان، فالعلم الإلهي اللدني لا شك يمكن أن يمدنا بسلطان أكبر، استمع إلى هذه الآية الجميلة

    { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ } 33 الرحمن

    وهذا هو السلطان، العلم البشري، وأعظم منه العلم الإلهي.


    الفصل الثامن عشر
    معنى الدين

    قال صاحبي:
    - اسمع، إذا كانت عندكم جنة كما تقولون، فأنا أول واحد سوف يدخلها فأنا أكثر دينا ً من كثير من دعاتكم من أصحاب اللحى والمسابح إياهم.

    - أكثر ديناً، ماذا تعني بهذا؟

    - أعني أني لا أؤذي أحداً ولا أسرق، ولا أقتل، ولا أرتشي، ولا أحسد، ولا أحقد، ولا أضمر سوءاً لمخلوق، ولا أنوي إلاّ الخير، ولا أهدف إلاّ إلى النفع العام، أصحو وأنام بضمير مستريح وشعار حياتي هو الإصلاح ما استطعت، أليس هذا هو الدين؟ ألا تقولون عندكم إن الدين المعاملة؟

    - هذا شيء له اسم آخر، اسمه حسن السير والسلوك، وهو من مقتضيات الدين ولكنه ليس الدين، إنك تخلط بين الدين وبين مقتضايته، والدين ليس له إلا معنى واحد هو معرفة الإله، أن تعرف إلهك حق المعرفة، ويكون بينك وبين هذا الإله سلوك ومعاملة، أن تعرف إلهك عظيماً جليلاً قريباً مجيباً يسمع ويرى فتدعوه راكعاً ساجداً خاشعاً خشوع العبد للرب، هذه المعاملة الخاصة بينك وبين الرب هي الدين، أما حسن معاملتك لإخوانك فهي من مقتضيات هذا التدين وهي في حقيقة الأمر معاملة للرب أيضاً.

    يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: "إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل".

    فمن أحب الله أحب مخلوقاته وأحسن إليها، أما إذا اقتصرت معاملاتك على الناس لا تعترف إلا بهم ولا ترى غيرهم، ولا ترى غير الدنيا فأنت كافر تماماً وإن أحسنت السير والسلوك مع هؤلاء الناس، إنما يدل حسن سيرك وسلوكك على الفطانة والسياسة والكياسة والطبع اللبيب وليس على الدين فأنت تريد أن تكسب الناس لتنجح في حياتك، وحسن سيرك وسلوكك ذريعة إلى كسب الدنيا فحسب، وهذه طباع أكثر الكفار أمثالك.

    - صدقني أنا أشعر أحياناً بأن هناك قوة.

    - قوة!

    - نعم، ثمة قوة مجهولة وراء الكون، أنا أؤمن تماماً بأن هناك قوة.

    - وما تصورك لهذه القوة، أتتصورها كائناً يسمع ويرى ويعقل ويتعهد مخلوقاته بالرعاية والهداية، وينزل لهم الكتب ويبعث لهم الرسل ويستجيب لصرخاتهم وتوسلاتهم؟

    - بصراحة أنا لا أصدق هذا الكلام ولا أتصوره، وأكثر من هذا أراه ساذجاً لا يليق بهذه القوة العظيمة.

    - إذن فهي قوة كهرومغناطيسية عمياء تسوق الكون في عبثية لا خلاق لها، وهذه هي الصفة التي تليق بقوتك العظيمة.

    - ربما.

    - بئس ما تصورت إلهك، خلق لك البصر فتصورته أعمى، وخلق لك الرشد فتصورته عابثاً أخرق، والله إنك الكافر بعينه، ولو أحسنت السير والسلوك مدى الدهر، وإنّ أعمالك الصالحة مصيرها الإحباط يوم الحساب وأن تتبدد هباءً منثورا.

    - ألا يكون هذا ظلماً؟

    - بل هو عين العدل، فقد تصورت هذه الأعمال من ذاتك ليس وراءها الهادي الذي هداك والرشيد الذي أرشدك فظلمت إلهك، أنكرت فضله، وهذا هو الفرق بين طيبات المؤمن وطيبات الكافر، إذا استوى الاثنان في حسن السير والسلوك الظاهر، فكلاهما قد يبني مستشفى لعلاج المرضى، فيقول الكافر: أنا بنيت هذا المستشفى العظيم للناس.
    ويقول المؤمن: وفقني ربي إلى بناء هذا المستشفى للناس وما كنت إلا واسطة خير.

    وما أكبر الفرق، واحد أسند الفضل لصاحب الفضل ولم يبق لنفسه فضلاً إلا مجرد الوساطة وحتى هذه يشكر عليها الله ويقول: أحمدك يا ربي أن جعلتني سبباً، والآخر أسند الفضل لنفسه وراح يقول: أنا، أنا، أنا كل شيء، فارق كبير بين الكبرياء والتواضع، وبين العلو وخفض الجناح، بين الجبروت والوداعة، ولهذا فأنتم في ديانتكم الوثنية وإيمانكم بهذه القوة الكهرومغناطيسية العمياء لا تصلون ولا تسجدون.

    - ولماذا نصلي ولمن نصلي؟ إني لا أرى لصلاتكم هذه أي حكمة، ولماذا كل تلك الحركات أما كان يكفي الخشوع؟

    - حكمة الصلاة أن يتحطم هذا الكبرياء المزيف الذي تعيش فيه لحظة سجودك وملامسة جبهتك التراب وقولك بلسانك وقلبك "سبحان ربي الأعلى"، وقد عرفت مكانك أخيراً وأنك أنت الأدنى وهو الأعلى، وأنك تراب على التراب، وهو ذات منزهة من فوق سبع سماوات.

    أما لماذا الحركات في الصلاة، ولماذا لا نكتفي بالخشوع القلبي فإني أسألك بدوري:

    ولماذا خلق لك الجسد أصلاً، ولماذا لا تكتفي بالحب الشفوي فتريد أن تعانق وتقبل، لماذا لا تكتفي بالكرم الشفوي فتجود باليد والمال، بل خلق الله لك الجسد إذا كان خشوعك صادقاً فاض على جسدك فركعت وسجدت، وإن كان خشوعك زائفاً لم يتعد لسانك.

    - هل تعتقد أنك ستدخل الجنة؟

    - كلنا سنرِدُ النار، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ولا أعرف هل اتقيت أم لا، يعلم هذا علام القلوب، وكل عملي – للأسف – حبر على ورق، وقد يسلم العمل ولا تسلم النية، وقد تسلم النية ولا يسلم الإخلاص، فنظن الواحد منا أنه يعمل الخير لوجه الله وهو يعمله للشهرة والدنيا والجاه بين الناس، وما أكثر ما يخدع الواحد منا في نفسه ويدخل عليه التلبيس وحسن الظن والاطمئنان الكاذب من حيث لا يدري، نسأل الله السلامة.

    - وهل يستطيع الإنسان أن يكون مخلصاً؟

    - لا يملك ذلك من تلقاء نفسه، وإنما الله هو الذي يخلص القلوب، ولهذا يتكلم القرآن في أكثر الآيات عن المخلَصين – بفتح اللام – وليس المخلِصين بكسر اللام، ولكن الله وعد بأن "يهدي إليه من ينيب" أي كل من يؤوب ويرجع إليه، فعليك بالرجوع إليه، وعليه الباقي.


    الفصل التاسع عشر
    فزنا بسعادة الدنيا وفزتم بالأوهام


    قال صاحبي، وكانت في نبرته فرحة رجل منتصر:
    - مهما اختلفنا ومهما طال بنا الجدل فلا شك أننا خرجنا من معركتنا معكم منتصرين فقد فزنا بسعادة الدنيا وخرجتم أنتم ببضعة أوهام في رؤوسكم، وماذا يجدي الكلام وقد خرجنا من الدنيا بنصيب الأسد، فلنا السهرة والسكرة والنساء الباهرات والنعيم الباذخ واللذات التي لا يعكرها خوف الحرام، ولكم الصيام والصلاة والتسابيح وخوف الحساب، من الذي ربح؟

    - هذا لو كان ما ربحتموه هو السعادة، ولكن لو فكرنا معاً في هدوء لما وجدنا هذه الصورة التي وصفتها عن السهرة والسكرة والنساء الباهرات والنعيم الباذخ واللذات التي لا يعكرها خوف الحرام، لما وجدنا هذه الصورة إلا الشقاء بعينه.

    - الشقاء، وكيف؟

    - لأنها في حقيقتها عبودية لغرائز لا تشبع حتى تجوع، وإذا أتخمتها أصابها الضجر والملال وأصابك أنت البلادة والخمول، هل تصلح أحضان امرأة لتكون مستقر سعادة، والقلوب تتقلب والهوى لا يستقر على حال والغواني يغرهن الثناء، وما قرأنا في قصص العشاق إلا التعاسة فإذا تزوجوا كانت التعاسة أكبر وخيبة الأمل أكبر لأن كلا من الطرفين سوف يفتقد في الآخر الكمال المعبود الذي كان يتخيله، وبعد قضاء الوطر وفتور الشهوة يرى كل واحد عيوب الآخر بعدسة مكبرة، وهل الثراء الفاحش إلا عبودية إذ يضع الغنى نفسه في خدمة أمواله وفي خدمة تكثيرها وتجميعها وحراستها فيصبح عبدها بعد أن كانت خادمته، وهل السلطة والجاه إلا مزلق إلى الغرور والكبر والطغيان، وهل راكب السلطان إلا كراكب الأسد يوماً هو راكبه ويوماً هو مأكوله، وهل الخمر والسكر والمخدرات والقمار والعربدة والجنس بعيداً عن العيون وبعيداً عن خوف الحرام سعادة، وهل هي إلا أنواع من الهروب من العقل والضمير وعطش الروح ومسؤولية الإنسان بالإغراق في ضرام الشهوة وسعار الرغبات، وهل هو ارتقاء أم هبوط إلى حياة القرود وتسافد البهائم وتناكح السوائم،
    صدق القرآن إذ يقول عن الكفار، أنهم:

    { يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ } 12 محمد

    فهو لم ينكر أنهم يتمتعون ولكن كما تتمتع الأنعام، وكما ترعى السوائم، وهل هذه سعادة، وهل حياة الشهوة تلك إلا سلسلة من الشبق والتوترات والجوع الأكال والتخمة الخانقة لا تمت إلى السعادة الحقة بسبب، وهل تكون السعادة الحقة إلا حالة من السلام والسكينة النفسية والتحرر الروحي من كافة العبوديات، وهل هي في تعريفها النهائي إلا حالة صلح بين الإنسان ونفسه وبين الإنسان والآخرين وبين الإنسان والله، وهذه المصالحة والسلام والأمن النفسي لا تتحقق إلا بالعمل، بأن يضع الإنسان قوته وماله وصحته في خدمة الآخرين وبأن يحيا حياة الخير والبر نية وعملاً وأن تتصل العلاقة بينه وبين الله صلاةً وخشوعاً فيزيده الله سكينة ومدداً ونوراً، وهل هذه السعادة إلا الدين بعينه، ألم يقل الصوفي لابس الخرقة، نحن في لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف، والذين عرفوا تلك اللذة، لذة الصلة بالله والصلح مع النفس، يعلمون أن كلام الصوفي على حق.

    - ألم تكن مثلنا من سنوات تسكر كما نسكر وتلهو كما نلهو وتسعد هذه السعادة الحيوانية التي نسعدها وتكتب الكفر بعينه في كتابك الله والإنسان فتسبق به إلحاد الملاحدة فماذا غيّرك من النقيض إلى النقيض؟

    - سبحانه يغير ولا يتغير.

    - أعلم أنك تقول أن كل شيء بفضل الله، ولكن ماذا كان دورك، وماذا كان سعيك؟

    - نظرت حولى فرأيت أن الموت ثم التراب نكتة وعبثاً وهزلاً ورأيت العالم حولي كله محكماً دقيقـاً منضبطاً لا مكان فيه للهزل ولا للعبث، ولو كانت حياتي عبثاً كما تصور العابثون ونهايتها لا شيء، فلماذا أبكي ولماذا أندم ولما أتحرق وألتهب شوقاً على الحق والعدل وأفتدى هذه القيم بالدم والحياة.

    رأيت النجوم تجرى في أفلاكها بقانون، ورأيت الحشرات الاجتماعية تتكلم والنباتات ترى وتسمع وتحس، ورأيت الحيوانات لها أخلاق، ورأيت المخ البشرى عجيبة العجائب يتألف من عشرة آلاف مليون خط عصبي تعمل كلها في وقت واحد في كمال معجز، ولو حدث بها عطل هنا أوهناك لجاء في أثره الشلل والعمى والخرس والتخليط والهذيان وهي أمور لا تحدث إلا استثناء، فما الذي يحفظ لهذه الآلة الهائلة سلامتها ومن الذي زودها بكل تلك الكمالات.

    ورأيت الجمال في ورقة الشجر وفي ريشة الطاووس وجناح الفراش وسمعت الموسيقى في صدح البلابل وزقزقة العصافير وحيثما وجهت عيني رأيت رسم رسام وتصميم مصمم وإبداع يد مبدعة.

    ورأيت الطبيعة بناءً محكماً متكاملاً تستحيل فيها الصدفة والعشوائية، بل كل شيء يكاد يصرخ، دبرني مدبر، وخلقني مبدع قدير.

    وقرأت القرآن فكان له في سمعي رنين وإيقاع ليس في مألوف اللغة وكان له في عقلي انبهار، فهو يأتى بالكلمة الأخيرة في كل ما يتعرض له من أمور السياسة والأخلاق والتشريع والكون والحياة والنفس والمجتمع رغم تقادم العهد على نزوله أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، وهو يوافق كل ما يستجد من علوم رغم أنه أتى على يد رجل بدوي أميَّ لا يقرأ ولا يكتب في أمة متخلفة بعيدة عن نور الحضارات، وقرأت سيرة هذا الرجل وما صنع، فقلت بل هو نبي، ولا يمكن أن يكون إلا نبي، ولا يمكن لهذا الكون البديع إلا أن يكون صنع الله القدير الذي وصفه القرآن، ووصف أفعاله.

    قال صاحبي بعد أن أصغى باهتمام إلى كل ما قلت، وراح يتلمس الثغرة الأخيرة:

    - فماذا يكون الحال لو أخطأت حساباتك وانتهيت بعد عمر طويل إلى موت وتراب ليس بعده شيء؟

    - لن أكون قد خسرت شيئاً فقد عشت حياتي كأعرض وأسعد وأحفل ما تكون الحياة، ولكنكم أنتم سوف تخسرون كثيراً لو أصابت حساباتي وصدقت توقعاتي، وإنها لصادقة سوف تكون مفاجئة هائلة يا صاحبي.

    ونظرت في عمق عينيه وأنا أتكلم فرأيت لأول مرة بحيرة من الرعب تنداح في كل عين ورأيت أجفانه تطرف وتختلج.

    كانت لحظة عابرة من الرعب، ما لبث أن استعاد بعدها توازنه، ولكنها كانت لحظة كافية لأدرك أنه بكل غروره وعناده ومكابرته واقف على جرف من الشك والخواء والفراغ وممسك بلا شيء.

    قال لي بنبرة حاول أن يشحنها باليقين:
    - سوف ترى أن التراب هو كل ما ينتظرك وينتظرنا.

    - هل أنت متأكد؟

    وللمرة الثانية انداحت في عينيه تلك البحيرة من الرعب وقال وهو يضغط على الحروف وكأنما يخشى أن تخونه نبراته:
    - نعم

    قلت:
    - كذبت، فهذا أمر لا يمكن أن نتأكد منه أبداً.

    وحينما كنت أعود وحدي تلك الليلة بعد حوارنا الطويل كنت أعلم أني قد نكأت في نفسه جرحاً، وحفرت تحت فلسفته المتهاوية حفرة سوف تتسع على الأيام ولن يستطيع منطقه المتهافت أن يردمها.

    قلت في نفسي وأنا أدعو له، لعل هذا الرعب ينجيه، فمن سد على نفسه كل منافذ الحق بعناده لا يبقى له إلا الرعب منفذاً، وكنت أعلم أنى لا أملك هدايته، ألم يقل الله لنبيه

    { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء } 56 القصص

    ولكني كنت أتمنى له الهداية وأدعو له بها فليس أسوأ من الكفر ذنباً ولا مصيراً.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أغسطس 21, 2018 6:11 am